كريم نجيب الأغر

497

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

بإذن اللّه ، لذلك قال اللّه عزّ وجلّ : نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ [ الواقعة : 60 ] . فكلمة « نحن » لا تنفي أن يكون التقدير من النطفة بإذن اللّه ، بل هي شاهد على أن الذي أودع الخطة الجينية في النطفة هو البارئ جلّ وعلا . كذلك إذا قابلنا الآيات من سورة الواقعة : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ ( 58 ) أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ ( 59 ) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ( 60 ) [ الواقعة : 58 - 60 ] بآيات سورة عبس : قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ ( 17 ) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ( 18 ) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ( 19 ) [ عبس : 17 - 19 ] لاحظنا أن كلا النصين الكريمين يتكلم عن التقدير وعن النطف ، وقد جاء في أحدهما ذكر تقدير الموت ، وهذا يقتضي إلصاق تقدير الموت بالنطفة . وتقدير موت الإنسان هو تقدير عمره ، حيث يموت الإنسان بانتهاء عمره . لذا حدد الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم عمر أمته ما بين الستين والسبعين قائلا : « عمر أمّتي من ستّين سنة إلى سبعين سنة » [ أخرجه الترمذي ح 97 ] « 1 » .

--> ( 1 ) لا شك أنه لا يخفى على القارئ أن عمر الإنسان يختلف بين مجتمع وآخر ، وأن عمر أفراد مجتمع معيّن يختلف أيضا عبر التاريخ ، فلذلك وجب علينا أن نوضّح ما يرمي إليه الحديث الشريف ، لكي لا تلتبس الأمور على القارئ . إن عمر الإنسان مرتبط بكثير من العوامل منها - وبشكل رئيسي - : بخطتّه الجينية ، وبالاهتمام الصحي السائد في مجتمعه ، هذا إن لم نذكر أثر العوامل البيئية ، والنفسية ، والتغذية . . . إلخ . وهذا الاختلاف عائد إلى حدّ كبير للخطّة الجينية لدى الإنسان ، فهذه الأخيرة تختلف بين مجتمع وآخر ، وكذلك تتغيّر مع مرور وقت كبير ، فعلى سبيل المثال : كان عمر مجتمع سيدنا نوح عليه السّلام أكثر من ألف سنة ، وذلك أن سيدنا نوح عليه السّلام لبث فيهم تسعمائة وخمسين عاما كما جاء في الآية الكريمة : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ [ العنكبوت : 14 ] ، وما زال هذا العمر يتناقص حتى يومنا هذا ، إلى أن بلغ ما بلغ . وهذا الاختلاف عائد أيضا إلى العناية الصحية السائدة في هذا المجتمع أو ذاك . لذا نرى أن أعمار أفراد المجتمع الغربي أكثر من أعمار مجتمعات شرق ووسط وغرب آسيا على العموم ، ففي المجتمعات الغربية ، حيث الرعاية الاجتماعية جيّدة جدا ، نرى أن أعمار المجتمع الغربي تتراوح ما بين الخمس والسبعين والثمانين سنة ، وفي المجتمع الأفغاني - على سبيل المثال - ، حيث الرعاية الصحية متدنية كثيرا ، تتراوح ما بين الأربعين والخمسين سنة ، أما في أكثر المجتمعات الشرقية فهي ما بين الستين والسبعين سنة . وفي الحقيقة أن الحديث الشريف سالف الذكر يتكلم عن أمة سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، حيث يسود الفكر الإسلامي على المجتمعات ، وبالتالي علينا أن نستثني المجتمعات التي يسود عليها فكر غير إسلامي ، لأنها غير منتسبة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، كما هو شأن المجتمع الغربي ، وإن كان هناك قليل من أفراد هذه المجتمعات مسلمين . -