كريم نجيب الأغر

485

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

جاء في صحيح مسلم بشرح النووي « 1 » : « واختلف العلماء في المراد بالغيلة في هذا الحديث » . فإذا أخذنا برأي العلماء الذي يميل إلى معنى الجماع ، فيشير الحديث « لقد هممت أن أنهى عن الغيلة . . . » عندئذ إلى إباحة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لجماع الرجل زوجته وهي حامل لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « فنظرت في الرّوم وفارس ، فإذا هم يغيلون أولادهم ، فلا يضرّ أولادهم ذلك شيئا » [ أخرجه مسلم ح 52 ] . وأما إذا أخذنا برأي العلماء الذي يميل إلى معنى تردّي نوعية لبن الرضاعة ، فيشير الحديث « لقد هممت أن أنهى عن الغيلة . . . » عندئذ إلى أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أباح إرضاع الطفل من لبن الأم عملا بلفظ « فنظرت في الرّوم وفارس ، فإذا هم يغيلون أولادهم ، فلا يضرّ أولادهم ذلك شيئا » [ أخرجه مسلم ح 52 ] ، ومن ثم نسخ ذلك جليّا بالحديث « لا تقتلوا أولادكم سرّا . . . » [ أخرجه أبو داود ح 53 ] ، لأن صيغة النهي واضحة فيه . وسواء فسرنا الحديث « لقد هممت أن أنهى عن الغيلة . . . » بالحديث « أن رجلا جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : إنّي أعزل عن امرأتي . . . » [ أخرجه مسلم ح 51 ] أو الحديث « لا تقتلوا أولادكم سرّا . . . » [ أخرجه أبو داود ح 53 ] فالنتيجة واحدة ، وهو أن مجامعة الرجل لامرأته وهي حامل مباح عملا بالحديث « أن رجلا جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : إنّي أعزل عن امرأتي . . . » وأن إرضاع الطفل من أمه وهي حامل منهي عنه عملا بالحديث « لا تقتلوا أولادكم سرّا . . . » [ أخرجه أبو داود ح 53 ] ، ونترك للقارئ الأخذ بما يراه الأرجح ، ولا خلاف بيننا وبينه . وسوف نأخذ بالمعنى الثاني للغيل ( أي بمعنى تردّي نوعية لبن الرضاعة ) ، لكي نشرح للقارئ الكريم بالتفصيل ، أبعاد الأحاديث الثلاثة التي أوردناها سالفا . وتفصيل ذلك : أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم كاد أن يتبنى موقف العرب من لبن الرضاعة في بادئ الأمر نظرا لما جرت به العادة وكان العرف السائد بينهم ، ولذلك أراد أن ينهى عنه قائلا : « لقد هممت أن أنهى عن الغيلة . . . » [ أخرجه مسلم ح 52 ] ، غير أنه نظر في فارس والروم فرأى أنهم يرضعون أولادهم خلال حمل نسائهم ولا يضرهم شيئا ، فقاس ذلك على العرب وكان اجتهادا منه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولم ير بأسا بذلك ، فقال : « فنظرت

--> ( 1 ) صحيح مسلم بشرح النووي - كتاب النكاح - باب جواز الغيلة - وهي وطء المرضع - وكراهة العزل - رقم الحديث 140 - ( ج 5 / ص 271 ) .