كريم نجيب الأغر
486
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
في الرّوم وفارس ، فإذا هم يغيلون أولادهم ، فلا يضرّ أولادهم ذلك شيئا » [ أخرجه مسلم ح 52 ] . جاء في المنتقى شرح موطأ مالك « 1 » : « وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : ( لقد هممت أن أنهى عن الغيلة » يدل على أنه قد كان يقضي ويأمر وينهى بما يؤديه إليه اجتهاده . . . » ) . وجاء في صحيح مسلم بشرح النووي « 2 » : « . . . وفيه جواز الاجتهاد لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » . غير أن إجازة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في إرضاع الطفل من لبن الغيلة نسخ بعد أن أنزل اللّه تعالى على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم الوحي وأمره بأن ينهى الأمة عن هذا الفعل ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم عندئذ : « لا تقتلوا أولادكم سرّا . . . » [ أخرجه أبو داود ح 53 ] . وتنبيه الوحي السماوي لأمور لم يخترها الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بحكم طبيعته البشرية لم تكن هي الأولى . وقد تكرر ذلك أكثر من مرة في تاريخ السيرة النبوية الشريفة . ونعطي مثالا على ذلك : فقد عاتب اللّه - سبحانه وتعالى - رسوله الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم في الآية : عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ( 2 ) [ عبس : 1 - 2 ] لأنه أخّر تذكير الأعمى في بعض أمور دينه وذلك لحضور كبار زعماء قريش عنده ، وأهمية دعوتهم إلى الإسلام ، فيسلم بإسلامهم من كان تحت قيادتهم . وبعد : فالقتل في الحديث « لا تقتلوا أولادكم سرّا . . . » [ أخرجه أبو داود ح 53 ] ، جاء معناه في الاستقبال ، والدليل على ذلك هو : أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « فإن الغيل يدرك الفارس » ، فلو أن القتل كان في الحال لما نشأ الولد وأصبح فارسا فأدركه الغيل عندئذ . والقتل هنا ليس من قبل الوالدين مباشرة لأنه يأتي عندما يمتطي الفارس جواده فيقع عنه . والقتل يحصل بدون معرفة أحد كما يشير إليه لفظ « لا تقتلوا أولادكم سرّا » ، فلو كان الغيل قتل الأولاد في الحال مباشرة من الوالدين في مجتمع يبيح ذلك من خلال الرضاعة لما أصبح الأمر سرّا ، لاختلاط الناس فيما بينهم ولعلمهم بحال بعضهم .
--> ( 1 ) المنتقى شرح موطأ مالك - كتاب الرضاع - باب ما جاء في الرضاعة - ( ج 4 / ص 154 ) . ( 2 ) صحيح مسلم بشرح النووي - كتاب النكاح - باب جواز الغيلة - وهي وطء المرضع - وكراهة العزل - رقم الحديث 140 - ( ج 5 / ص 271 ) .