كريم نجيب الأغر
473
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
12 - مقدار اللبن المحرّم : * عن ابن شهاب أنه سئل عن رضاعة الكبير فقال : . . . فجاءت سهلة بنت سهيل - وهي امرأة أبي حذيفة وهي من بني عامر بن لؤي - إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت : يا رسول اللّه : كنا نرى سالما ولدا وكان يدخل عليّ وأنا فضل وليس لنا إلا بيت واحد فما ذا ترى في شأنه ؟ فقال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أرضعيه خمس رضعات فيحرم بلبنها » ، وكانت تراه ابنا من الرضاعة [ أخرجه مالك ح 62 ] . هذا الحديث يدلّ على الحد الأدنى من عدد الوجبات التي يجب للرضيع أن يتناولها لكي يتمّ لديه بناء أنسجة مشابهة بينه وبين أمه أو أخته من الرضاعة ، وتحرم العلاقة بينهم . إلى ذلك فإن المصة والمصتين تستثنيان من كل وجبة ( رضعة ) مشبعة كما ينص الحديث الشريف : « لا تحرم المصة ولا المصتان » [ أخرجه أحمد ح 60 ] « 1 » .
--> ( 1 ) يتلخّص موقف العلماء المسلمين في مقدار المحرّم من اللبن على النحو التالي : « أما مقدار المحرّم من اللبن : فإن قوما قالوا فيه بعدم التحديد ، وهو مذهب مالك وأصحابه ، وروي عن علي وابن مسعود ، وهو قول ابن عمر وابن عباس ، وهؤلاء يحرّم عندهم أي قدر كان ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي . وقالت طائفة بتحديد القدر المحرّم ، وهؤلاء انقسموا إلى ثلاث فرق : فقالت طائفة : لا تحرّم المصة ولا المصّتان ، وتحرّم الثلاث رضعات فما فوقها ، وبه قال أبو عبيد وأبو ثور . وقالت طائفة : المحرّم خمس رضعات ، وبه قال الشافعي . وقالت طائفة : عشر رضعات . والسبب في اختلافهم في هذه المسألة : معارضة عموم الكتاب للأحاديث الواردة في التحديد ، ومعارضة الأحاديث في ذلك بعضها بعضا . والأحاديث المتعارضة في ذلك راجعة إلى حديثين في المعنى : أحدهما : حديث عائشة وما معناه أنه قال عليه الصلاة والسلام : « لا تحرّم المصّة ولا المصّتان أو الرّضعة والرّضعتان » خرّجه مسلم من طريق عائشة ، ومن طريق أم الفضل ، ومن طريق ثالث ، وفيه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تحرّم الإملاجة ولا الإملاجتان » . والحديث الثاني : حديث سهلة في سالم أنه قال لها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أرضعيه خمس رضعات » . وحديث عائشة في هذا المعنى أيضا قالت : « كان فيما نزل من القرآن : عشر رضعات معلومات ثم نسخن بخمس معلومات ، فتوفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهن مما يقرأ من القرآن » . فمن رجح ظاهر القرآن على هذه الأحاديث قال : تحرّم المصّة والمصتان . ومن جعل الأحاديث مفسّرة للآية ، وجمع بينها وبين الآية ، ورجح مفهوم دليل الخطاب في قوله عليه الصلاة والسلام : « لا تحرّم المصّة ولا المصّتان » على مفهوم دليل الخطاب في حديث سالم قال : الثلاثة فما فوقها هي التي -