كريم نجيب الأغر
474
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
--> - تحرّم ، وذلك أن دليل الخطاب في قوله : « لا تحرّم المصّة ولا المصّتان » يقتضي أن ما فوقها يحرّم ، ودليل الخطاب في قوله : « أرضعيه خمس رضعات » يقتضي أن ما دونها لا يحرّم » ( بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، لابن رشد ، الفصل الثالث : في مانع الرضاع ، المسألة الأولى : في مقدار المحرّم من اللبن ، ص 421 - 422 ) . وفي رأينا فقد نشأ هذا الاختلاف لعدّة أسباب ( أو لأحد هذه الأسباب التالية ) : منها عدم الالتفات إلى المعنى اللغوي لكلمتي « مصّ » و « رضع » ، ومنها عدم إلمام بعض الفقهاء المسلمين بالعلم الكوني في مجال الرضاعة ، ومنها قلّة اعتبار معاني بعض الأحاديث ولا سيّما الحديثان « لا يحرّم من الرّضاعة إلّا ما فتق الأمعاء في الثّدي وكان قبل الفطام » [ أخرجه الترمذي ح 56 ] و « لا يحرّم من الرّضاع إلّا ما أنبت اللّحم وأنشز العظم » [ أخرجه الإمام أحمد ح 58 ] اللذان قد يساعدان على إلقاء الضوء على مقدار اللبن المحرّم ، ومنها العمل على الترجيح بين الأحاديث ، أكثر من العمل على التأليف بينها . وكلمة « مصّ » تعني شرب اللبن بكميّة قليلة . جاء في لسان العرب : « مصص . . . في حديث عمر رضي اللّه عنه : أنه مصّ منها ، أي نال القليل من الدنيا » . وجاء في القاموس المحيط ، باب مصصته : « مصصته ، بالكسر ، أمصّه ومصصته أمصّه ، كخصصته أخصّه : شربته شربا رفيقا » . وكلمة « رضع » تعني شرب اللبن . جاء في مقاييس اللغة : باب الراء والضاد ، وما يثلثهما : « رضع : الراء والضاد والعين أصل واحد ، وهو شرب اللّبن من الضّرع أو الثّدي » . وجاء في مختار الصحاح ، باب الراء : « رضع : ر ض ع : رضع الصبي أمه بالكسر رضاعا بالفتح . . . وارتضعت العنز ، أي شربت لبن نفسها » . وانظر أيضا لسان العرب . فالرضاع هو شرب اللبن ، وقد يحدث إذا شربت قليلا أم كثيرا ، أي بمصّة أو مصّتين أو ثلاث . . . ، والرضعة هي الواحدة من الرضاع - أي وجبة - وقد تشمل عدّة مصّات . وبعض الأحاديث التي جاءت في هذا الباب ورد فيها « المصّة والمصّتان أو الرضعة والرضعتان » ، وقد جاء الفصل بين فعلي « المصّ » و « الرضاع » بكلمة « أو » التي قد تفيد أحد القولين : إما الشك ، وإما التخيير . وتفصيل دلالة الشك لكلمة « أو » في الحديث التي روته السيدة عائشة رضي اللّه عنها هو كالآتي : جاء في شرح الحديث رقم 1940 في شرح سنن ابن ماجة للسندي : « قوله : ( الرضعة ولا الرضعتان أو المصة إلخ ) : أو : للشك » ، فإذا كان الشك ، فذلك مردّه أن أحدا من الرواة نسي اللفظ الذي جاء على لسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فشكّ أن الفعل المراد هو المص أو الرضاع ، وبالتالي علينا الترجيح في أيّ من اللّفظين : « مصّة » أو « الرضعة » هو المراد بالأصل . ومعظم الأحاديث التي وردت في هذا الباب جاءت بلفظ « المصّة والمصّتان » فقط ، وجاء في بعض الأحاديث « الإملاجة ولا الإملاجتان » ، ومعنى كلمة « إملاجة » هو معنى كلمة المصّة : وهو الشرب القليل ، ولكن بأدنى الفم ( انظر مبحث « الجوع أساس للتحريم » ) ، مما يعزّز أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أراد معنى المصّة في الحديث الذي رواه مسلم ، واللّه تعالى أعلم . والذي يدعّم مقولتنا الحقائق العلمية والحديثان : « لا يحرّم من الرّضاعة إلّا ما فتق الأمعاء في الثّدي وكان قبل الفطام » [ أخرجه الترمذي ح 56 ] و « لا يحرّم من الرّضاع إلّا ما أنبت اللّحم وأنشز العظم » [ أخرجه -