كريم نجيب الأغر
425
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
فالحديث يذكر الإتقان والإحكام في ابتدائه ، ثم بعد ذلك ما يلبث إلا ويشرحهما بأنهما العلقة والمضغة . فمعنى الحديث أن الجنين يجمع خلقه ، أي يتقن ويحكم في مدة أربعين يوما ، ثم بعد ذلك شرح الحديث هذا الجمع : ثم يكون علقة ، ثم يكون مضغة . ونظير ذلك في كلام العرب : إن الإنسان يتغير في الدنيا مدة عمره ، ثم تشرح تغيّره فتقول : ثم يكون رضيعا ، ثم فطيما ، ثم يافعا ، ثم شابا ، ثم كهلا ، ثم شيخا ، ثم هرما ، ثم يتوفاه اللّه بعد ذلك . وذلك من باب ترتيب الإخبار عن أطوار الإنسان التي ينتقل فيها مدّة بقائه في الدنيا . وهكذا فإن وظيفة « ثم » هي ترتيب الإخبار عن أطوار الجنين ، وليس الترتيب والتراخي بين الخبر قبلها والخبر بعدها ، وذلك لوجود قرائن عديدة - إضافة إلى ما ذكرناه سابقا - تفيد أن كلمة « ثم » لا تدل على ترتيب المخبر عنه في الحديث السابق الذكر . ومثال ذلك قوله تعالى : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 153 ) ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ( 154 ) [ الأنعام : 153 - 154 ] ، فمن المعلوم أن وصية اللّه لنا في القرآن جاءت بعد كتاب موسى عليه السّلام . وعلى هذا يكون معنى حديث ابن مسعود : إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ، ثم يكون في ذلك علقة ( أي ثم يكون جمع خلق - أو إتقان - العلقة في ذلك العدد من الأيام وهو أربعون يوما ) مثل ذلك ( أي مثلما اجتمع خلقكم في الأربعين ) ، ثم يكون في ذلك مضغة ( أي ثم يكون جمع خلق - أو إحكام - المضغة في ذات الأربعين يوما ) مثل ذلك ( أي مثلما اجتمع خلقكم في الأربعين ) ، ثم يرسل إليه الملك ويؤمر بأربع كلمات . . . وهذا يعني أن العلقة والمضغة متساويتان في مسمى الإتقان والإحكام ، لا في خصوصه ، فهما محكمتا الخلق مثلما أن الإنسان محكم بعد الأربعين يوما . وعلى هذا فكلمة اسم الإشارة « في ذلك » في الحديث ترجع إلى العدد ، أي