كريم نجيب الأغر

424

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

الروح ويؤمر بأربع كلمات . . . » [ أخرجه مسلم ح 43 ] ، حيث يعود اسم الإشارة « في ذلك » إلى بطن الأم ، و « مثل ذلك » إلى مدة الأربعين يوما ، كأنه قيل : إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ، ثم يكون في ذلك البطن علقة أربعين يوما ، ثم يكون في ذلك البطن مضغة أربعين يوما ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات . . . ومما ساهم في فهم الحديث على النحو الذي أشرنا إليه سابقا هو : وظيفة حرف العطف « ثم » ؛ الترتيب والتراخي ، فتبعا لوظيفتها على « العلقة » أن تتبع زمنيا « جمع الخلق » ، وعلى « المضغة » أن تتبع « العلقة » . وهنالك اجتهاد آخر يخالف اجتهاد العلماء السابقين ، وهذا لاحتمالية تفسير الحديث بعدّة أوجه ، فيعد هذا الحديث ظني الدلالة من حيث المفهوم . فتفسير النص يكون أن جمع الخلق في أربعين يوما ، والعلقة يجتمع خلقها في تلك الأربعين ، والمضغة أيضا يجتمع خلقها في تلك الأربعين ، فيكون جمع الخلق في مرحلتين : الأولى العلقة ، والثانية المضغة ، وكلاهما في أربعين يوما . وليس جمع الخلق هو مرحلة من المراحل الثلاثة كما قالها العلماء السابقون - رحمهم اللّه - . ولكن الذي يتتبع معنى « يجمع خلقه » في اللغة العربية يظهر له أنها بمعنى : يحكم ويتقن « 1 » ، فالبيان لهذا المعنى يعطي صورة واضحة لمعنى الحديث ، حيث يغير مجريات تفسير الجمهور ، ولا يفسّر الحديث إلا من أطر اللغة العربية التي تحدد المعاني لكل النصوص القرآنية والحديثية .

--> ( 1 ) قال كمال الدين بن عبد الكريم الزملكاني في كتابه « البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن » ، ص 275 : « معنى يجمع في بطن أمّه ، أي يحكم ويتقن خلقه ويتمم من قولهم رجل جميع أي مجتمع الخلق » ويشهد لذلك ما ذكره ابن الأثير في جامع الأصول ( رقم الحديث 8015 - ج 10 / ص 482 ) : « رجل جميع ، أي مجتمع الخلق ، قوي ، لم يهرم ولم يضعف » ، « وهو مذكور في حديث الشفاعة عند قول الحسن البصري : لقد حدثني وهو جميع منذ عشرين سنة » . انظر فتح الباري - كتاب التوحيد - باب كلام الرب عزّ وجلّ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم - رقم الحديث 7510 - ( ج 13 / ص 474 ) . ولقد رأينا في مبحث « المضغة » أن « جمع الخلق » يشير إلى جمع خلايا الجنين عن تفرقة في أعضاء مختلفة في الجنين ، تجعل منه إنسانا متكاملا من حيث المحتوى ( وإن لم يكن بيّن المظهر لعامة الناس ) ، وهذا يعني أن الجنين يحكم ويتكامل من حيث المبنى ، وبالتالي فإن معنى « يحكم ويتقن » يتفق مع المعنى الظاهر لجملة « يجمع خلقه » .