كريم نجيب الأغر
421
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
والدليل على أن الآية تريد أن نصرف أنظارنا إلى نهاية طور المضغة هو : أن تمام التخلّق أو ترسيمه أو تصوّره عليه أن يتبع منطقيّا التخلّق غير المكتمل . وبما أن تصوير وتسوية الجنين لا يكون إلا بعد اثنين وأربعين يوما ، أي بعد المرحلة التي تلي مرحلة المضغة وفق الحديث : « إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث اللّه إليها ملكا ، فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ، ثم قال : يا رب : أذكر أم أنثى ؟ » [ أخرجه مسلم ح 45 ] ، فبالتالي نفهم أن تخلّق الجنين يجب أن يكون وصل في نهاية طور المضغة إلى أقصى درجات التخلق التي تسبق ابتداء عملية التصوير ، ومن هنا ساغ ذكر حرف العطف « ثم » في الآية رقم 5 من سورة الحج . ومن هنا توافق معنى الحديث المذكور آنفا ، ومعنى نص سورة الحج ، ووظيفة حرف العطف « ثم » ، مع العلم الكوني والمنطق ليدلّ ذلك كلّه على أن آية سورة الحج تفصح بدقّة متناهية عن حقائق علمية غيبية ، من المستحيل أن يعلمها إنسان في بيئة أمّية إلا من خلال بحوث متتالية باستعانة أدق الوسائل العلمية ، أو بوحي من الذي خلق الجسد الذي تصفه الآية . كذلك كلما دقّقنا في صياغة آية سورة الحج تبيّن لنا الحكمة من وراء ذكر حرف العطف « ثم » في هذه الآية وعدم ذكره في آية سورة المؤمنون ، فالآية ذكرت « إقرار الجنين » بعد ذكر المضغة ، وكما نعلم من مبحث « الإقرار » فإن ثبات الجنين في الرحم لا يكون إلا بعد مرور الفترة الحرجة من تخلّق أعضاء الجنين ، ( أي في نهاية فترة المضغة ) ، ولو جاء ذكر إقرار الجنين في آية سورة المؤمنون بدلا من آية سورة الحج مع وجود حرف العطف « ف » فيها لصرفت أنظار القارئين إلى بداية تخلّق المضغة ، وخصوصا أن وظيفة حرف العطف « الواو » الذي قرن بين طور المضغة وظاهرة الإقرار في قوله تعالى : وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ [ الحج : 5 ] لا تدل على التعقيب ، وبالتالي لما صحّ ذكر إقرار الجنين في هذا المقام لأن احتمال إجهاض الجنين عال في بداية فترة المضغة . ولو أبدلنا حرف العطف « الفاء » بحرف « ثم » لما استقام معنى آية سورة الحج بتمامه . ومن هنا نفهم أنه كان لا بد من ذكر حرف العطف « ثم » في هذا المقام ، وإنه لمن الإعجاز أن يحدّد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بوحي من اللّه تعالى الوقت الزمني لبروز أعضاء المضغة في مرحلة ضيّقة نسبيا ( أسبوعين ونصف ) ، ويحدّد وصفها بشكل دقيق ( أي بالمخلّق وغير المخلّق ) ، فازداد الإعجاز إعجازا ، وازداد النور نورا ، وازدادت الدّقّة دقّة ، حتى إنه كان باستطاعتنا أن نقول : إن القرآن الكريم يمكن أن يكون دليلا مفصّلا لطلاب الجامعات المتخصّصين في مجال « علم تخلّق الإنسان » لولا أن اللّه