كريم نجيب الأغر
422
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
تعالى حدّد لنا أن القرآن أنزل للذكر كما جاء في الآية : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 17 ) [ القمر : 17 ] ، وليس كمادة دراسة تدرّس في جامعات الطب ، وما هناك من أقسام للدراسة ، فيا سبحان اللّه ! ! ! . فائدة : نلاحظ في الآية : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [ غافر : 67 ] أن اللّه تعالى ذكر طوري النطفة والعلقة دون ذكر بقيّة أطوار الجنين ، فما الحكمة من وراء ذلك ؟ والحال - كما يظهر لنا - أن هذه الآية لا تضيف معلومات علمية جديدة إلى جانب المعلومات التي أشارت إليها النصوص القرآنية التي ذكرناها سابقا في هذا البحث . والجواب - وباللّه التوفيق - : أن المقام يقتضي أن لا تذكر بقية الأطوار الجنينية ، وذلك أن الآية تركّز على إبراز مختلف المراحل الأساسية التي يمر بها الإنسان - وليس المراحل التي يمر بها الجنين - ، وبالتالي فلا حاجة لذكر الأطوار الجنينية ، باستثناء طور العلقة الذي يمثّل بداية مرحلة تركيب جسد الجنين . وهكذا فإن الأطوار الإنسانية تتلخص بذكر مرحلة التراب ، ومرحلة النطفة ، ومرحلة الجنين ( من خلال ذكر مرحلة العلقة ) ، ومرحلة الطفولة ، ومرحلة الشباب ، ومرحلة الشيخوخة ، والموت ، كمراحل مميّزة يمر بها الإنسان ، تشكّل كل منها منعطفا أساسيا لحياته . وبما أن موضوع الآية يركّز على ذكر الأطوار الإنسانية ، وهذه المراحل متباعدة ، فإن الأمر يقتضي ذكر حرف العطف « ثم » ، الذي يفيد الترتيب والتراخي ، بحيث تتلاءم صياغة الآية مع موضوعها . فإذا تقرّر ذلك ، فهمنا أن وظيفة هذا الحرف لا تنسجم مع ذكر بقيّة الأطوار الجنينية التي تتعاقب بشكل متسارع . ولهذين السببين : التركيز على المراحل الإنسانية ، واستعمال حرف العطف « ثم » ، كان لا بد من الاكتفاء بذكر طور العلقة ، وهذا إن دلّ على شيء فإنه يدل على حبك ودقة صياغة النصوص القرآنية .