كريم نجيب الأغر
377
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
--> - أشهر لقول اللّه تعالى : وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً [ الأحقاف : 15 ] . وقال تعالى : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ [ البقرة : 233 ] . فمن ادعى حملا وفصالا يكون في أكثر من ثلاثين شهرا فقد قال الباطل والمحال ، وردّ كلام اللّه عزّ وجلّ جهارا » ( ص 131 - 132 ، المرجع السابق ) . فلو أنه - رحمه اللّه - لم ير أن آية سورة الأحقاف تحتمل مدّة التسعة أشهر لم يكن ليصرّح قبل التفوه بالآية - التي تشير إلى مدّة الثلاثين شهرا - أنه لا يجوز أن تكون مدّة الحمل أكثر من تسعة أشهر ، ولم يكن ليقول - بعد الإشارة إلى مدّة تسعة الأشهر - : « فمن ادعى حملا وفصالا يكون في أكثر من ثلاثين شهرا فقد قال الباطل والمحال » مع أنه يعتمد في تحليله لهذا الموضوع على طرح مدّة السنتين - أي مدّة الأربع والعشرين شهرا - من مدّة الثلاثين شهرا . وهذه العملية الحسابية تشير حتما إلى مدّة ستة الأشهر . فالنصوص القرآنية ، وإن لم تصرّح بأن مدّة الحمل قد تكون تسعة أشهر ، غير أنها لم تنف هذه المدّة قطعا ، وإن تراءى للقارئ في الظاهر أنها قد قطعت بمدّة ستة الأشهر ( انظر مبحث « النشأة / أقل مدّة حمل » ) . فالذي ترجّح عندي - بعد أن اطلعت على مخطوطة « العد عند العرب » للشيخ عبد الرحمن محمد أسعد الحكمي الفيفي - يتلخص في نقطتين : 1 - أن دلالة الآية وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً [ الأحقاف : 15 ] على مدّة الحمل - ستة أشهر - هي دلالة صريحة كما فهمها الصحابة رضي اللّه عنهم ( انظر مبحث « النشأة / أقل مدّة حمل » ) . 2 - أن ما تجاوز ستة أشهر من الحمل إلى تسعة أشهر موجود في النص ، ولكن عن طريق الدلالة الضمنية ، وذلك بأن العرب لا تعتبر في العدّ ما يكون فوق العقد ودون نصفه ، بل تلحقه بالعقد الأدنى ، مسقطة في العدّ تلك الآحاد ( فإذا عدّت 31 و 32 ، و 33 و 34 فإنها تعدّ كل ذلك 30 ) ، فلو كان الحمل سبعة أشهر ، وجمعنا عليه مدّة الفصال 24 شهرا لأصبح لدينا مدّة الحمل والفصال 31 شهرا . وكذلك إذا اعتبرنا مدّتي الحمل : ثمانية أشهر وتسعة أشهر لأصبح لدينا 32 و 33 شهرا ، وكلها دون النصف ، فوق العقد ، ولذلك فإن تلك المدد تدخل في المدّة المذكورة : « ثلاثون شهرا » . وحتى وإن تأخر الحمل عن حدّه المعتاد ، فيدخل في المدّة المذكورة ، فالحاصل أن المدّة القصوى لتأخر الحمل هي شهر ، وإن أضفنا المدّة القصوى للحمل - عشرة أشهر - لأصبح لدينا أربعة وثلاثون شهرا ، وهي أيضا ما دون النصف فوق العقد ، مما يشير إلى أن الكلام عن مدّة قدرها ثلاثون شهرا قد اختير بعناية فائقة لكي يشمل مدّة الحمل من المدّة الدنيا إلى المدّة القصوى . وللعلم فهذا التفسير لا يعدّ تكلفا ، وذلك لأن الشارع قد اعتبر طريقة العرب هذه في عدّهم ، فعمل به في فريضة الزكاة ، وسمّى ذلك وقصا أو شنقا ( وهو ما زاد على خمس من الإبل إلى تسع ، وما زاد على عشر إلى أربع عشرة ، وكذلك ما فوق ذلك ) ( تهذيب اللغة للأزهري ، ج 9 / ص 221 ، تحقيق عبد السلام هارون ) . ومثال آخر على هذا : هو ما جاء في عمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقد جاء في بعض الروايات في صحيح البخاري وصحيح مسلم أنه صلّى اللّه عليه وسلّم عاش ستين سنة مع أن عمره صلّى اللّه عليه وسلّم ثلاث وستون سنة ، غير أن العلماء حملوا تلك الروايات على إلغاء الكسر - أي إلغاء السنين فوق عقد الستين - . جاء في كتاب « البداية والنهاية » للحافظ ابن كثير ( المجلد 5 - 6 ، ج 5 / ص 226 ، تحت فصل « في ذكر الوقت الذي توفي فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » ) : « وهذا لا ينافي ما تقدّم عن أنس لأن العرب كثيرا ما تحذف -