كريم نجيب الأغر
378
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
ومدّة عدّة الوفاة قدرها أربعة أشهر وعشرة أيام كما تعلمنا الآية : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً . . . [ البقرة : 234 ] . والمدة التي ذكرها القرآن تنبئ عن إعجاز معرفي لمراحل تخلق الجنين ، فهي تحدد أقل مدة تحس فيها المرأة بالغالب بحركات جنينها ، فكيف لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يذكر هذه المدة الدقيقة ولا يستطيع أحد في زمانه أن يأتي بمدة كلية عامة لكل نساء العالمين ؟ ! . وبهذا يكون الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قد سبق أهل زمانه وأهل الاختصاص في عصرنا ، وهذا يدل دلالة واضحة على أن الذي أعطاه هذا العلم ليس فكرا بشريا وإنما هو وحي إلهي . والأدلّ من ذلك على نبوّته ورسالته : هو تحديد المدة برقم معيّن وهو أربعة أشهر وعشرة أيام ، لأننا نستطيع أن ننقض نبوته ورسالته من خلال هذه المدّة إن كانت خطأ .
--> - الكسر » . وهذا ما رجّحه الحافظ ابن حجر في فتح الباري بشرح صحيح البخاري ( ج 7 / ص 757 ، طبعة دار ريان للتراث ، باب وفاة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « قوله ( لبث بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن ، وبالمدينة عشرا ) هذا يخالف المروي عن عائشة عقبه أنه عاش ثلاثا وستين ، إلا أن يحمل على إلغاء الكسر كما قيل في حديث أنس المتقدّم في باب « صفة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم » ، وانظر فتح الباري ، باب تفسير الحديث رقم 3568 ، قوله : ( وهو ابن أربعين ) . ومختصر الكلام من هذا كلّه أن العرب تستعمل مثل هذا الأسلوب في أغلب الأحيان ، ولذلك يعمل به في تفسير القرآن . وبالتالي فإن تفسير كون فترة الحمل والفصال - ثلاثون شهرا - تحتمل المدّة القصوى للحمل منضبط بقواعد اللغة العربية ، وينسجم مع العلم الكوني ، وهو أفضل ما قيل في هذا المجال . أما الكلام حول الفائدة من النص على أدنى مدّة الحمل فسيأتي تفصيله في مبحث « النشأة / أقل مدّة حمل » . ولا يسعنا إلا أن نذكّر القراء الكرام إلى أن فترة الوضع المحتمل قدرها اللّه تعالى على أحسن ما يجب أن تكون ؛ فلو زاد وقت الوضع عن حدّه المعتاد لمات الحميل في الغالب ، ولو نقص عن حدّه المعتاد - ولو بقليل - لوضعت المرأة طفلا غير كامل التخلّق ( فعلى سبيل المثال : لا يكتمل الجهاز التنفسي للحميل بحيث يستطيع الحياة بدون صعوبة إلا بعد مضي 266 يوما ، راجع مبحث « النشأة / أقل مدّة حمل » ) ، لذلك أثنى اللّه تعالى على نفسه في تقدير وقت الولادة قائلا : أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ( 20 ) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 21 ) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ( 22 ) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ ( 23 ) [ المرسلات : 20 - 23 ] . جاء في تفسير القرطبي في تفسير الآية : « قلت : . . . فأفادت الكلمتان معنيين متغايرين ؛ أي قدرنا وقت الولادة وأحوال النطفة في التنقيل من حالة إلى حالة . . . » .