كريم نجيب الأغر

352

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

المرأة له ألما ، إنما هي النطفة ثم العلقة ثم المضغة » . غير أنه من الصواب أن نضيف إلى المراحل المذكورة سابقا مرحلتي « خلق المضغة عظاما » ، وكسو العظام لحما لأنها تأتي أيضا قبل مرحلة « النشأة » التي بتحققها ينتقل الحمل من الحمل الخفيف إلى الحمل الثقيل « 1 » . وبالفعل فإن ( طول الجنين CR ) يكون في الأسبوع التاسع 50 ملم ، ومن ثمّ يزداد إلى أكثر من سبعة أضعافه ليصل في نهاية الحمل إلى 360 ملم « 2 » . ( انظر الصورة رقم : 107 ) . لقد وضع القرآن الكريم حدّا فاصلا بين مرحلة التخلق التي سبقت وهي في قوله تعالى : فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً [ المؤمنون : 14 ] والمرحلة المقبلة - مرحلة النشأة - بقوله تعالى : ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ . . . [ المؤمنون : 14 ] . ونتساءل لما ذا قال اللّه تعالى : ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ [ المؤمنون : 14 ] ؟ . الجواب : إن الآية الكريمة عندما ذكرت : ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ [ المؤمنون : 14 ] دلّت على وجود مرحلة جديدة للجنين بصفات مميزة ومختلفة عن المراحل السابقة .

--> ( 1 ) إن الضمير « هاء » لكلمة « به » التي جاءت في الآية : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [ الأعراف : 189 ] يعود للحمل الخفيف ؛ فالمرأة تمرّ بالحمل الخفيف . وفعل مرّ يعني استمرّ . جاء في ابن كثير - ( ج 2 / ص 274 ) : « قال مجاهد : استمرت بحمله . وروي عن الحسن وإبراهيم النخعي والسدي نحوه » . وهذا يعني أن المرأة تمكث فترة من الزمن بالحمل الخفيف . وهذا الأمر كان غير واضح للناس من قبل ، وذلك أن معرفة حدوث الحمل في الأسابيع الأولى لم تكن متحقّقة علميّا حتى عهد قريب . فالناس كانوا في الغالب يعتقدون أن المرأة ما تلبث أن تحمل حتى ينتفخ بطنها ويثقل ، ولذلك لا يتضرعون لربهم إلا بعد أن تثقل المرأة ويستبين حملها كما جاء في الآية فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [ الأعراف : 189 ] . والشاهد على هذا النمط من التفكير نظرية « الخلق الجاهز » التي تنص على أن الإنسان موجود بصورة مصغّرة في رأس الحيوان المنوي والتي كانت رائجة في القرن الثامن عشر بعد الميلاد ( للمراجعة انظر مبحث « الوحي يمحو الأمية » ) . فهذه النظرية لا تقتضي مرور فترة زمنية - لا يستهان بها - ضرورية لكي تتخلق فيها أعضاء الجنين قبل أن يبدأ بالنمو ، فما تلبث أن تحمل المرأة حتى يستطيع الإنسان الموجود بصورة مصغرة في رأس الحيوان المنوي من الانتفاخ . وبالتالي فإن الآية تؤكد ظاهرة الحمل الخفيف في الأسابيع الأولى ، في حين لم يكن الناس على بصيرة منها . ( 2 ) كتاب الإنسان النامي ، د . موروبارسو ، ص 109 .