كريم نجيب الأغر
345
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
أي : فإذا أراد اللّه أن يقضي ، أي : أن يتم خلقه ) ، والرواية التي نقلها الطيالسي في مسنده « 1 » : « إن اللّه عزّ وجلّ يوكل بالرحم ملكا فيقول : يا رب : نطفة ، يا رب : علقة ، يا رب : مضغة ، فإذا أراد اللّه عزّ وجلّ أن يتم خلقها قال : يا رب : ذكرا أم أنثى ؟ شقي أم سعيد ؟ فيكتب ذلك في بطن أمه » . و « إذا ، اسم يدل على زمان مستقبل » « 2 » ، فإذا أخذنا بعين الاعتبار معنى كلمة « يقضي » ووظيفة « إذا » أصبح معنى الحديث الشريف : فعند ما يحين وقت إتمام خلق الجنين يبدأ تميز الشكل الجنسي الخارجي للجنين بإذن اللّه . ومن الجدير بالذكر أن « قضاء الخلق » ذكر بعد ذكر طور المضغة في الحديث السابق ، وقد يحمل ذلك البعض إلى الاعتقاد إلى أن قضاء الخلق عليه أن يحدث مباشرة بعد طور المضغة ، وهذا ينافي الترتيب الذي نشير إليه : « المضغة ، الإقرار ، التسوية ، قضاء الخلق » . ولكن ما نشير إليه هو أنه لا يلزم من مرحلة « قضاء الخلق » أن تأتي بعد طور « المضغة » مباشرة إذا ذكرت بعدها بدون أن نفصل بينهما بمرحلة . وهذا الأسلوب أسلوب إيجاز رائع متبع في أكثر من حديث من الأحاديث الشريفة يوجه فيه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم انتباه القارئ إلى الحدث البارز ، وحسبك أن نشير إلى الحديث التالي : « إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث اللّه إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال : يا رب : أذكر أم أنثى ؟ » [ أخرجه مسلم ح 45 ] . فالنطفة في الحقيقة لا تبقى نطفة اثنتين وأربعين ليلة ، وحدث التصوير لا يقع بعد مرحلة النطفة ، غير أن الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم امتنع عن ذكر أحداث ما بعد مرحلة النطفة واستعاض عن ذلك بذكر مرحلة الأصل - مرحلة النطفة - حتى يوجّه انتباه السامع إلى حدث التصوير الذي يحصل للأذن والعين « 3 » . . . إلخ . وكذلك الحدث
--> ( 1 ) رقم 2073 ، والسند هو : حدثنا يونس قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن عبيد اللّه بن أبي بكر بن أنس ، عن أنس . ( 2 ) لسان العرب لابن منظور - مادة « إذا » - ( ج 1 / ص 103 ) . ( 3 ) وهذا الأسلوب في الإيجاز له فوائد أخرى - غير توجيه السامع إلى الحدث المراد توضيحه - ، منها : 1 - الامتناع عن ذكر المراحل التي بين المرحلة الأولى والمراحل المذكورة ، للفت أنظار المخاطبين ، وإيقاظ حسّ المبادرة لدى الباحثين على ملء الفراغ المتعمّد في الأحاديث ، وربط جميع مراحل التخلق فيما بينها ، ودراسة الأحاديث بشكل معمّق ، حتى نعطي كل حدث حقّه الكامل في الدراسة ، فتتوضّح لنا معان نحن غافلون عنها ( لمزيد من التفاصيل الرجاء مطالعة مبحث « توقيت أحاديث التخلّقات في القرآن والسنّة » ) . -