كريم نجيب الأغر
346
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
البارز في الحديث « . . . إذا أراد اللّه أن يقضي خلقها . . . » [ أخرجه البخاري ح 98 ] هو قضاء الخلق والغاية هي التركيز عليه ، واللّه تعالى أعلم . وما جاء في عمدة القاري « 1 » ، يوضح ذلك : « وقوله في حديث أنس : « وإذا أراد اللّه أن يقضي خلقا ، قال : يا رب : أذكر أم أنثى ؟ » لا يخالف ما قدمناه ، ولا يلزم منه أن يقول ذلك بعد المضغة ، بل هو ابتداء كلام وإخبار عن حالة أخرى » . وهكذا فإن عملية إتمام الخلق تتحقق مع تحقق مرحلة تميز الشكل الخارجي للأعضاء الجنسية للجنين . ولقد رأينا في مبحث « الإقرار » أن حساسية الجنين للعوامل التيراتوجينية أو المؤذية تكون عالية جدا في فترة المضغة مما يؤدي إلى إحداث تشوهات خطيرة لدى الجنين في كثير من الأوقات أو لإسقاطه .
--> - 2 - بيان معجزة الخلق بشكل أوضح ؛ حيث أن ذكر النطفة وجها لوجه مع مراحل خلق السمع والبصر والعظام واللحم والجلد . . . يبرز التفاوت الكبير بين تركيبة ومادة وحجم نطفة - بسيطة في مظهرها - وأعضاء معقّدة التركيب ، مثل السمع والبصر والعظام واللحم ، وهذا الأسلوب في الإيجاز له وقع على السامع - أو القارئ - أكثر مما لو فصّل صلّى اللّه عليه وسلّم الأمر ، وواصل بين مراحل تخلّق متعاقبة لها أوجه شبه فيما بينها ، كما فعله - عليه الصلاة والسلام - في أحاديث أخرى . 3 - الاختصار لغرض تسهيل وتبسيط رواية خلق الإنسان للسامع ، وتسهيل فهمها لجميع المجتمعات وفئاتها ، سواء أكانت أمّية أم متعلّمة ، متقدّمة في السن أم شابة . فمن مميّزات هذا الدين العظيم أنه « عالمي » ، أي أنه يتوجّه إلى كل الناس على مختلف طبقاتهم كما في قوله تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [ سبأ : 28 ] . وهذا الأسلوب يتّكل على تسديد المعنى من قبل السامع ، ثقة به ، وهو دال على منتهى البلاغة ، حيث إنه صلّى اللّه عليه وسلّم حذف مراحل ما بعد النطفة ، التي بينها وبين مرحلة خلق العظام ؛ كمرحلة جمع خلايا الجنين ، ومرحلة العلقة ، ومرحلة المضغة ، وأخرج - عليه الصلاة والسلام - ذلك في صورة المجاز المرسل ، فعبّر عن الشيء باعتبار ما كان ( وهو أسلوب معتمد لدى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد مرّ معنا في مبحث « التسوية / خلق العظام » بصورة المجاز ، باعتبار ما سيكون ، فانظر تعريفه هناك ) ، وذلك لسببين : أ - أن النطفة يمكن تصوّرها أكثر من أي مرحلة أخرى ، لأنها تنبثق من شيء مشاهد للعيان ، مألوف لديهم ؛ ألا وهو المني . ب - إن مرحلة النطفة هي ألصق بالأذهان من غيرها ، لأنها أول مرحلة تذكر ، ولأنها مرحلة أصل الإنسان ، التي تذكر أكثر من غيرها ، والإنسان في عادته يتذكّر دائما أول الشيء وآخره ، وينسى التفاصيل التي تقع بينهما ، وهكذا فإن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يسوق السامعين بأسلوب سهل ، سائغ لديهم ، ليس بغريب إلى الحدث البارز المراد تفصيله . واللّه تعالى أعلم . ( 1 ) عمدة القاري للعيني - كتاب الحيض - باب مخلّقة وغير مخلّقة - رقم الحديث 22 - ( ج 3 / ص 294 ) .