كريم نجيب الأغر

330

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

ونرى من التفسير السابق أن العامود الفقري ينشأ من الفلقات التي تضفي على الجنين مظهر المضغة ، وتحديدا من قسم معين من تلك الفلقات وليس من كل المضغة . ولذا نرى أن الألوسي رحمه اللّه قال موضحا أبعاد النص القرآني « 1 » : « فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ : أي غالبها ومعظمها أو كلّها ، عِظاماً [ المؤمنون : 14 ] : صغارا وعظاما حسبما تقتضيه الحكمة وذلك التصيير بالتصليب لما يراد جعله عظاما من المضغة » « 2 » . وبما أن الجنين يخلق من عجب الذنب ، أي : من الجزء المؤخري للعامود الفقري فمن الطبيعي أن نفهم أن العظم الذي يتخلق هو عظم العامود الفقري حسبما تمليه حقائق النصوص الشرعية . وقد فهم ابن عباس رضي اللّه عنهما هذه الحقيقة بنظرته الثاقبة بأن العظم الذي يتخلق هو عظم الصلب أي عظم العامود الفقري . جاء في تفسير القرآن العظيم « 3 » : فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً [ المؤمنون : 14 ] قال ابن عباس : وهو عظم

--> ( 1 ) تفسير الألوسي - ( ج 18 / ص 14 ) . ( 2 ) لقد ذكر بعض الباحثين في مجال الإعجاز العلمي في القرآن والسنة أن الآية : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ البقرة : 259 ] تشير إلى إعجاز علمي في مجال تخلق الجنين في رحم الأم . واستعانوا بها لتفسير آلية خلق عظام الأجنة الموجودة في الأرحام . وفي رأينا هذا كلام غير دقيق لعدة أسباب : أولا : إن الآية الكريمة تشير إلى خلق عظام حمار قد بليت منذ مائة سنة ، وخلق عظام هذا الحمار يتم أمام أعين سيدنا عزير عليه السّلام في بيت المقدس ، وبالتالي فإن خلق عظام الحمار لا يتم ابتداء من نطفة فعلقة فمضغة فعظام ، ولكن يتم بسرعة كبيرة ابتداء من عظام قد بليت وتناثرت في الأرض يمينا وشمالا ، فأعاد اللّه تعالى جمعها من أماكنها من الأرض في هذا الوقت القصير كما ذكره أغلب المفسرين . وبالتالي فإن آلية الخلق تختلف ، ولا يجب أن نعتبر هذه القصة أنموذجا لخلق عظام الجنين . ثانيا : إن خلق العظام يتم في الهواء الطلق ، وليس في بيئة محددة شبيهة ببيئة رحم الأم ، مما يعني أن المصادر المادية التي تستقى منها المواد الأساسية لخلق عظام الجنين ابتداء غير متوفّرة ، كذلك هو الحال لسائر العوامل اللازمة لإتمام عملية خلق عظام الجنين . وللأسباب التي ذكرناها سابقا لا يجوز لنا أن نستشهد بهذه الآية في مجال الإعجاز العلمي في خلق الجنين لأن السياق لا يسمح لذلك ، غير أننا نستطيع أن نستأنس بها فقط لا غير في حال وافقت دلالاتها المعطيات العلمية ، مع الإشارة إلى الفارق في البيئة وفي العوامل الفيزيائية والبيولوجية بين حالة خلق عظام الجنين في الرّحم ، وحالة خلق عظام حمار في الهواء الطلق بسرعة كبيرة ابتداء من عظام قد بليت . ( 3 ) تفسير ابن كثير - ( ج 3 / ص 240 ) .