كريم نجيب الأغر

329

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

--> - إليه بالنسبة إلى ما سيصير إليه من صلابة من جراء تعظّمه . فالأنموذج الغضروفي في هذه الحالة يعتبر مشروع هيكل صلب ، وهو بالتالي سيصبح في المستقبل هيكلا عظيما . فنستطيع أن نطلق على الغضروف اسم « العظام » باعتبار ما يؤول إليه من تكامله حيث بدأ أوله ولم ينته آخره بعد ( انظر مبحث : « التسوية / كسو العظام لحما » ) ، وهذا الأسلوب من الكلام هو نوع من المجاز باعتبار ما سيكون ، وتعرفه العرب تماما ( للمزيد من التفصيل الرجاء مراجعة حاشية مبحث « المستودع » حيث أوضحنا هذا الضرب من الكلام ) . وفي الختام نشير إلى أن دلالات آية رقم 14 من سورة المؤمنون تتّفق مع ضوابط مجال الإعجاز العلمي في القرآن والسنة ، وهي : 1 - أن تلتزم تلك الدلالات بسياق النص القرآني . 2 - أن تراعي القواعد البلاغية . 3 - أن تتفق مع المعنى اللغوي . 4 - أن تنسجم مع العلم الكوني . وبالتالي يحق لنا أن نستشهد بها ، وذلك : - أن هذه الدلالات تنسجم مع العلم الكوني من أن العظام تتأخر في تطوّرها . - وأنها لا تعارض القواعد البلاغية من نحو ، وبلاغة ، لأنها تنطوي تحت « المجاز باعتبار ما سيكون » ، وتحت « الترتيب والتعقيب » ، وتحت « التفصيل بعد الإجمال » . - وأنها لا تعارض المعاني اللغوية لكلمة « عظم » . - وأنها تتفق مع سياق النص القرآني من أن اللّه تعالى لم يحدد نهاية لطور العظام ، ومع الآيات الأخرى التي تتكلم عن تخلّق الجنين ، حيث إن التسوية والتعديل يشيران إلى أن الخلق لم ينته ، وأن هناك عمليّات تخلق محدودة تجري لسائر أعضاء الجنين ، بما فيها العظام ، من تعظّم وغيره . وخلاصة القول : أن استعمال حرف « الفاء » في هذا الموضع للدلالة على « الترتيب والتعقيب » ، الذي يسوقنا إلى أن ننظر إلى تخلّق العظام بالنسبة للطور الذي سبقه ، وتغيير الفعل من العام - خلق - إلى الخاص - كسا - للدلالة على « التفصيل بعد الإجمال » ، واستعمال « الترتيب والتعقيب » مع « التفصيل بعد الإجمال » لعدم نفي تطوّر العظام ، والإشارة إلى أن طورا ثانيا للعظام له مميّزات خاصة يعقب طور تخلّق العظام البدائي ، وعدم ذكر نهاية تخلق العظام على خلاف الأطوار التي سبقته ، ووضع كلمة « عظام » في الآية في مكان يؤكّد ابتداء تخلّقها ولا ينفي مآلها من خلال « المجاز باعتبار ما سيكون » ، يدل على براعة مطلقة تبلغ الغاية في البلاغة ، حيث جاء الكلام مطابقا للحقائق العلمية الغيبية في الخلق ، والتكلم عنها بهذا الشكل يحتاج إلى مشاهدة ، وفطنة عالية ، وحضور ثاقب ، وتمكن باللغة العربية إلى أقصى درجاته . ولا شك أنه ، إذا أردنا الاختصار في الكلام ، وعدم التفريط في دلالات لغوية تحيط بأغلب الحقائق العلمية الغيبية التي تتكلم عن ظاهرة تخلق العظام واللحم ، أن نتكلم عن العظام على نحو ما أتت به الآية .