كريم نجيب الأغر
196
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
تعالى : فَإِذا تَطَهَّرْنَ . . . يشير إلى شرط غسل الفرج بالماء للمجامعة ، كما روي عن السيدة عائشة رضي اللّه عنها : « عن عائشة أن امرأة من الأنصار قالت للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم كيف أغتسل من المحيض ؟ ، قال : « خذي فرصة ممسّكة فتوضّئي ثلاثا » ، أو قال توضئي بها ، ثم إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم استحيا فأعرض بوجهه ، فأخذتها فجذبتها فأخبرتها بما يريد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم » [ أخرجه البخاري ح 84 ] . وكما نعلم فإن الوضوء هو الغسل بالماء ، وما يريد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هو أن تزيل الدم من فرجها بالغسل كما جاء في رواية أخرى « عن عائشة أن امرأة سألت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن غسلها من المحيض ، فأمرها كيف تغتسل ، قال : « خذي فرصة من مسك فتطهري بها » ، قالت : كيف أتطهر ؟ قال : « تطهّري بها » ، قالت كيف ؟ قال : « سبحان اللّه تطهري » ، فاجتذبتها إليّ ، فقلت : تتبعي بها أثر الدم » [ أخرجه البخاري ح 85 ] . وقد جاء في هذا الصدد ، في تفسير ابن كثير « 1 » : « وقد اتفق العلماء على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا تحل حتى تغتسل بالماء . . . وقال ابن عباس : حَتَّى يَطْهُرْنَ . . . ؛ أي من الدم ، فَإِذا تَطَهَّرْنَ . . . ؛ أي بالماء ، وكذا قال مجاهد وعكرمة ، والحسن ومقاتل وابن حيان والليث بن سعد وغيرهم » . وجاء في تفسير القرطبي « 2 » : « فإذا تطهّرن ، يعني بالماء ، وإليه ذهب مالك وجمهور العلماء ، وأن الطّهر الذي يحل به جماع الحائض الذي يذهب عنها الدم ، هو تطهّرها بالماء كطهر الجنب » « 3 » .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير - ج 1 / ص 260 . ( 2 ) تفسير القرطبي - ج 3 / ص 88 . ( 3 ) الرجاء قراءة نص « الحقائق العلمية » ( ص 201 ) قبل قراءة هذه الحاشية . لقد اختلف الفقهاء في وطء المرأة التي انتهت من فترة الحيض ، في طهرها وقبل الاغتسال ، « فذهب مالك والشافعي والجمهور إلى أن ذلك لا يجوز حتى تغتسل ، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن ذلك جائز إذا طهرت لأكثر مدّة الحيض ، وهو عنده عشرة أيام ، وذهب الأوزاعي إلى أنها إن غسلت فرجها بالماء جاز وطؤها ( أعني : كل حائض طهرت متى طهرت ) ، وبه قال أبو محمد بن حزم . وسبب اختلافهم : الاحتمال الذي في قوله تعالى : فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [ البقرة : 222 ] ، هل المراد به الطهر الذي هو انقطاع دم الحيض أم الطهر بالماء ؟ ثم إن كان الطهر بالماء ؛ فهل المراد طهر جميع الجسد أم طهر الفرج ؟ فإن الطهر في كلام العرب وعرف الشرع اسم مشترك يقال على هذه الثلاثة المعاني . وقد رجح الجمهور مذهبهم بأن صيغة التفعل إنما تطلق على ما يكون من فعل المكلفين ، لا على ما يكون من فعل غيرهم ، فيكون قوله تعالى : فَإِذا تَطَهَّرْنَ أظهر في معنى الغسل بالماء منه في الطهر الذي هو انقطاع الدم ، والأظهر يجب المصير إليه حتى يدلّ الدليل على خلافه . -