كريم نجيب الأغر

197

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

--> - ورجّح أبو حنيفة مذهبه بأن لفظ يفعلن في قوله تعالى : حَتَّى يَطْهُرْنَ هو أظهر في الطهر الذي هو انقطاع دم الحيض منه في التطهر بالماء . والمسألة كما ترى محتملة » . ( بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد ، الباب الثالث ، المسألة الثانية [ وطء الحائض في طهرها قبل الاغتسال ] ، ص 52 - 53 ) . وفي كلام العرب فإنه من المعسر أن يجمع المتكلم في الكلام بين معنيين ، فإنه ليس من عادة العرب أن يقولوا : لا تعط فلانا درهما حتى يدخل الدار ، فإذا دخل المسجد فأعطه درهما قياسا على وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [ البقرة : 222 ] ، وبالتالي فإن علينا إما : 1 - صرف أيّا من اللفظين : يَطْهُرْنَ و تَطَهَّرْنَ إلى الآخر ، والعمل على أنهما يدلّان في الآية على معنى واحد ( أي إما على معنى الطهر أي انقطاع الدم ، وإما على معنى الاغتسال بالماء ) . 2 - وإما أن نقول : إن هناك كلاما محذوفا تقديره : ولا تقربوهن حتى يطهرن ويتطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم اللّه ، والدليل عليه يكون ظهور لفظ التطهر في معنى الاغتسال ، لكن هذا يعارضه ظهور عدم الحذف في الآية ، إلا في حال وجود قرينة خارجية تشير إلى ظهور لفظ التطهر . وإذا انتهى بنا الأمر إلى مثل هذا الموضع ، فإن التحكيم يكون للحقائق العلمية في مجال الإعجاز العلمي في القرآن والسنة . ونقول - وبالله التوفيق - : إن علّة مباشرة الحائض كما جاءت في الآية الكريمة : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ [ البقرة : 222 ] هو وجود الأذى ، فإذا انتفى الأذى ، انتفت العلّة وصحّ مباشرة الحائض التي انتهت من عدّتها . والأذى يتلخّص بأن هناك جراثيم في الحيض تسبب الأذى للرجل أو المرأة عند الجماع . ووجود الجراثيم يرتكز على عاملين : وجود الدم ، ووجود المطهّر لهذا الدم من الجراثيم . وعليه ، فإننا نميّز أربع حالات ، لا خامس لها ، لمهبل المرأة : 1 - وجود مطهّر مع عدم وجود دم في مهبل المرأة : في هذه الحالة ، فإن المهبل نظيف جدا ، ولا وجود للأذى المذكور في الآية الكريمة : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً [ البقرة : 222 ] ، وبالتالي يصح الجماع شرعا وعلميّا . 2 - عدم وجود مطهّر مع وجود دم في مهبل المرأة : في هذه الحالة يكون الدم ملوّثا لانتفاء المطهّر ولوجود الدم الذي هو بمثابة البيئة المناسبة لتكاثر الجراثيم ، وبالتالي فهناك احتمال لأن يصاب الرجل أو المرأة بمرض من الأمراض . ومثال هذه الحالة : الحيض ، والفترة التي تأتي مباشرة بعد انقطاع الحيض - كما سنراه لاحقا - ، وتبعا لذلك ومنعا لحصول ضرر لأحد من الزوجين ، فإن وطء المرأة لا يجوز . 3 - عدم وجود مطهّر مع عدم وجود دم في مهبل المرأة : في هذه الحالة لا وجود للجراثيم لأن الدم غير موجود مع أن المطهّر غير موجود . ومثال هذه الحالة : المرأة التي على وشك الحيض ، ولم تحض بعد . في هذه الحالة لم يسل الدم بعد ، وتأثير وأعداد عصويات دودرلين يكون ضعيفا للغاية وفي أدنى مستوياته ( فعصويات دودرلين - كما سنشير إليه في البحث اللاحق - تظهر تدريجيّا إلى أن تصل إلى أوجها في نصف الدورة ، ومن ثمّ تقل إلى أن تصبح في أقل نسبة لها قبل فترة الحيض مباشرة ) ، وبالتالي لا بأس من الجماع تيسيرا في الشرع وفقا للآية : ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ [ المائدة : 6 ] . 4 - وجود مطهّر مع وجود دم في مهبل المرأة : في هذه الحالة تكون المرأة في حالة الاستحاضة - أي أن هناك حالة نزيف مرضي مستمر للمرأة مع وجود عصويات دودرلين المطهّرة - وهذا يعني أن