كريم نجيب الأغر

147

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

كذلك فهم بعض فقهاء الصحابة رضي اللّه عنهم ما أشرنا إليه ؛ فلقد أشار الصحابي الجليل عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه إلى أن النطفة تحتوي على عروق ، كما في الروايتين التاليتين : - جاء في الدر المنثور : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عبد اللّه بن مسعود قال : إذا جئناكم بحديث أتيناكم بتصديقه من كتاب اللّه إن النطفة تكون في الرحم أربعين ثم تكون علقة أربعين ثم تكون مضغة أربعين ، فإذا أراد اللّه أن يخلق الخلق نزل الملك فيقول له : اكتب ، فيقول : ما ذا أكتب ؟ فيقول : اكتب شقيا أو سعيدا ، ذكرا أو أنثى ، وما رزقه ، وأثره وأجله ، فيوحي اللّه بما يشاء ويكتب الملك ، ثم قرأ عبد اللّه : إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ ثم قال عبد اللّه : أمشاجها عروقها . - وورد فيه أيضا « 1 » : أخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله أمشاج ، قال : العروق . قال ابن رجب الحنبلي « 2 » - بعد أن أورد الآية إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ - قال : « وفسّر طائفة من السّلف أمشاج النطفة بالعروق التي فيها » « 3 » . والخلاصة : قوله : إن النطفة لها أمشاج ، وهذه الأمشاج هي العروق ( أي الصبغيات ) ، هو دلالة على أن في النطفة صبغيات . وهكذا فإن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم تحدث عن دور الصبغيات في عملية الإخصاب قبل العالم ( فليمينغ FLEMMING ) ( 1878 م ) . 4 - إن النطفة الأنثوية ( أي البويضة ) لا تحتوي على عروق فحسب ، بل على مكوّنات أخرى وذلك لأن ماء الرجل يطير في عروق من نطفة المرأة لا في النطفة بأكملها ؛ فالانتشار ثابت بين أعضاء محددة من البويضة ( أي الصبغيات ) كما تشير إليه كلمة « منها » . وبالفعل فإلى جانب العروق التي توجد في نواة النطفة هناك ( الهلام الخليوي CYTOPLASM ) الذي يحيط بالنواة والذي يحتوي على ( مولدات الطاقة MITOCHONDRIA ) في النطفة ومصانع تصنيع البروتينات ( الريبوسومات

--> ( 1 ) الدر المنثور للسيوطي - ( ج 6 / ص 297 - 298 ) . ( 2 ) جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي ، ص 158 . ( 3 ) اللافت للنظر جدا أن يستنتج أسلافنا في عصر يملؤه الجهل العلمي أن هناك عروقا للنطفة ، وقد استنبط ذلك الصحابة - رضوان اللّه عليهم - معتمدين على النصوص القرآنية والأحاديث الشريفة ، ولا عجب ، فهؤلاء لهم مدد نوراني من اللّه عزّ وجلّ ، ويشهد لذلك الحديث الشريف التالي : « اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه » [ أخرجه الترمذي ح 74 ] .