كريم نجيب الأغر

137

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

استعمال هذه الصفة هنا - صفة الانصهار - إلى جانب كلمة ماء له مدلوله الخاص ، فهو يشير إلى عملية انصهار تحصل للماء أي للنطف لتؤلف نطفة لها صفات جديدة . الماء المذكور هنا هو النطفة ( قطرة الماء ) التي جاء تعريفها في الحديث « ما من كلّ الماء يكون الولد . . . » [ أخرجه مسلم ح 17 ] وكما أشار إليه القرطبي في تفسيره للآية وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً . . . عندما أعاد صياغتها مستبدلا كلمة ماء بكلمة نطفة « أي خلق من النطفة إنسانا . . . » « 1 » . الهاء التابعة لفعل « فجعله » في هذه الآية ضمير قد يعود لإحدى الكلمتين : « الماء » أو « بشرا » والدليل على ذلك ما جاء في تفسير القرطبي « 2 » : « فجعله : جعل الإنسان نسبا وصهرا . وقيل : من الماء . . . » « 3 » « 4 » . في كلتا الحالتين ينطبق المعنى بدقة مصداقا لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « بعثت بجوامع الكلم » [ أخرجه البخاري ح 13 ] . فإذا أرجع الضمير لأول كلمة ، أي إذا أرجعت الهاء إلى الماء فقد تعني : فجعل الماء ( ماء الرجل وماء المرأة أو نطفهما كما جاء في تفسير

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ، ( ج 13 / ص 59 ) . ( 2 ) تفسير القرطبي ، ( ج 13 / ص 59 ) . ( 3 ) نشير هنا إلى أن القاعدة العامة هي إرجاع الضمير إلى أقرب مذكور له في الكلام ، وبالتالي فعلينا إرجاع الضمير - هاء - إلى « بشرا » ، وهذا ما فعله معظم السلف الصالح لأنه لم تتح إليهم الوسائل التي تطلعهم جيدا على العلم الكوني والإلمام به ، وهذا لا يمنع إرجاع الضمير - هاء - إلى ما هو أبعد له ، بقرينة دالة على جواز ذلك ، كما أشار إليه القرطبي بقوله : « وقيل من الماء » ، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن كقوله تعالى : آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ [ الحديد : 7 ] ، حيث إن الضمير المستتر في جعلكم عائد إلى اللّه ، لا إلى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، لاستقرار المعنى على هذا النحو . والقرينة الدالة على جواز إرجاع الضمير إلى ما هو أبعد له في مجال الإعجاز العلمي في القرآن والسنة هو استقرار معنى الآية أو الحديث كما يشير إليه السياق القرآني والصياغة ( انظر إلى تعليقنا الذي يلي ) . وفي هذه الحالة فإن العلم الكوني يوافق معنى الآية إذا أرجعنا الضمير - هاء - إلى « الماء » ( انظر إلى تفسير الآية كما أوردناه أعلاه ) . ( 4 ) ولا يضرّ أن يفسّر القرطبي الآية المعتبرة على هذا النحو بقوله : « وقيل » ، أي بصيغة التضعيف ، وذلك أنه ضعّف هذا التفسير لعدم إحاطته بالعلم الكوني المرتبط بصهر الماء إحاطة كاملة من جراء عدم تقدم العلم الكوني في عصره ، غير أنه أشار إلى أن هذا الاحتمال وارد وفق الدلالات اللغوية . والفصل في النهاية هو للعلم الكوني في تفسير الآيات التي تتكلم عن ظواهر كونية لأن القرآن الكريم والعلم الكوني توأمان لا يفترقان على مدى الدهور .