كريم نجيب الأغر

138

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

القرطبي ) صهرا ، أي ينصهر بعضه مع بعض ، وإذا أرجع الضمير إلى كلمة « بشر » فقد تعني فجعل البشر يتصاهرون فيما بينهم « 1 » .

--> ( 1 ) قد يظنّ بعض القارئين أننا نغلو في تفسير الآية : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً [ الفرقان : 54 ] ، وأن معنى كلمة « صهر » الذي نشير إليه ( اختلاط نطفتي الرجل والمرأة ) ليس هو المراد ، إنما المراد هو المعنى المتداول بين الناس ، ألا وهو معنى القرابة ، ذلك أن معنى الاختلاط بعيد عن متناول أذهان عامّة الناس ، إلا إذا ألقى عليه العلماء الضوء ، ولكننا نقول : إن هذه الآية جاءت بعد آية أخرى تشير إلى إعجاز علمي ، وهي : وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً [ الفرقان : 53 ] . فهذه الآية تشير إلى أن هناك حاجزا مائيّا بين البحر العذب والبحر المالح عند ملتقاهما ، وأن هذا الحاجز يحول - إلى حد ما - دون أن تلج مياه أحدهما في الآخر ، كذلك فإن اختلاف نسبة الملوحة تمنع أسماك البحر العذب من أن تدخل في البحر المالح ( والعكس صحيح ) ، فيصبح هذا الحاجز حجرا محجورا ، وهذا يعني أن النص القرآني يشير مليّا إلى إعجاز علمي لأن السياق يقتضي ذلك ، وخصوصا أن صيغة الآيتين واحدة ، وجاءت باستعمال صيغة « وهو الذي . . . » ، حتى تربط بين ما ترمي إليه الآيتان ، ألا وهو موضوع الإعجاز العلمي في القرآن . ولعلّ ذكر وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً في نهاية الآية وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً [ الفرقان : 54 ] هو للدلالة على أن هناك إعجازا علميا مرموزا إليه ، وهو عملية انصهار معقّدة للماء ، تحدث على مستوى دقيق جدا ، لا يقدر على إحداثها وضبط نسبها إلا الذي مرج البحرين وخلق من الماء بشرا ، وبالتالي فإن السياق والصياغة - إضافة إلى المعنى - يحملنا إلى أن ننسب هذه الآية إلى الإعجاز العلمي في القرآن الكريم . وقد تكرّر مثل هذا الأسلوب في القرآن الكريم في الكلام عن الإعجاز في خلق العنصر الحيواني من الماء مثل قوله عزّ وجلّ : وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ النور : 45 ] ( انظر مبحث « معجزة الرؤية الإسلامية في علم الوراثة / السبب الوراثي لتنوع خلق الحيوانات » ) ، فظهور القدرة في كلا الأمرين ( تنوع الخلق من الماء - انصهار ماءين مختلفين ماء واحدا ) أوضح وأجلى وأمكن في الإعجاز من كونه خلق من الماء نوعا جعل منه النسب والصهورة . وكذلك فإن الآيتين - آية رقم 53 و 54 من سورة الفرقان - على هذا التفسير ستكونان من قبيل المقابلة التي تزيد المعنى الإعجازي وضوحا ، وذلك أنّه عزّ وجلّ مرج ماءين ( مالحا وعذبا ) دون أن يختلط أحدهما بالآخر ، مع توافر دواعي الاختلاط والامتزاج في رأي العين ، وفي الآية الأخرى مرج ماءين ( ماء الرجل وماء المرأة ) مع اختلاف صفاتهما ، وتوافر دواعي عدم امتزاجهما كما كان يتصوّر لدى الناس حتى عهد قريب ( أي حتى سنة 1775 م ، حيث اكتشف العالم ( سبالانزاني SPALLANZANI ) تلقيح الحيوان المنوي للبويضة ) ، ومع ذلك صهرهما تماما حتى صارا شيئا واحدا ، بعكس الماءين الآخرين ( المالح والعذب ) ، والخلاصة : أنه ذكر ماءين ( ملح ، عذب ) وعدم اختلاطهما مهما امتزجا في رأي العين ، وذكر ماءين ( ماء الرجل ، ماء المرأة ) وانصهارهما معا مع عدم عقلان ذلك في الذهن ، وهذا تماما هو المعنى البديع للإعجاز العلمي ، وكما قيل « الضّدّ يظهر حسنه الضّدّ » ، وهذا في رأيي هو الأنسب لتلاحم السياق واتصال أوله بآخره لأن المقابلة تعدّ من ضروب الصلات بين الكلامين -