محمد هادي معرفة
33
التمهيد في علوم القرآن
( الأول ) - وهو أحسنها - ما قاله القفّال : إنّ قوله « من ماء » صلة « كلّ دابة » ، وليس من صلة « خلق » . والمعنى : أنّ كلّ دابة متكوّنة من الماء - أي متولّدة من انعقاد النطفة - فهي مخلوقة للّه تعالى . ( الثاني ) أنّ أصل جميع المخلوقات من الماء ، لأنّ الماء هو الأصل الأول الذي خلقه اللّه ، كما ورد في الحديث : أول ما خلق اللّه الماء . ( الثالث ) أنّها متولّدة من النطفة ، أو لأنّها لا تعيش إلّا بالماء « 1 » . ولكنّ المحقّقين من أهل التفسير لم يزالوا على القول بأنّ المراد من هذا الماء هو الذي منه أصل جميع المخلوقات ، فإنّ من الماء نشأت الحياة وبذرت بذرتها الأولى ، بشكل حيوان بسيط ذي خليّة واحدة ( الأميبا ) « 2 » وارتقت إلى حيوانات معقّدة الأعضاء ذوات الخلايا العديدة ، فوق الملايين . أمّا كيف وجدت أول ما وجدت الحياة - في المياه : البحار والبحيرات والمستنقعات - فهذا ممّا لم يجد له العلم إجابة صحيحة صالحة للقبول على مسرح العلوم التجريبية المجرّدة . ومن ثمّ فإنّ نظرية التطوّر في الحياة - على أنحائها وأشكالها - إنّما تبتدئ من عصر ما بعد الخليّة ، أمّا عصر ما قبلها فمجهول ، سوى أنه أمر تحقّق بإرادة اللّه المهيمن على مقدّرات هذا الكون ، الأمر الذي لا محيص عن الإذعان به ما دام التسلسل باطلا وكان التولّد الذاتي مستحيلا ، وقد أبطله العلم على أساس التجربة أيضا . قال سيّدنا الأستاذ الطباطبائي قدّس سرّه - عند قوله تعالى : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ
--> ( 1 ) التفسير الكبير : ج 24 ص 16 . ( 2 ) قد بسط الأستاذ الطنطاوي الكلام حول هذا الحيوان ( ذي الخلية الواحدة ) في تفسيره الجواهر ( ج 12 ص 226 ) عند قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً . ولشيخنا الأستاذ محمّد تقي الفلسفي أيضا مقال لطيف حول مسألة الحياة ، بحث فيه على ضوء الآراء الحديثة عن الحياة ونشأتها وتطوّرها ، على أسلوبه الشيّق . فراجع : تفسيره لآية الكرسي : ص 39 - 98 .