محمد هادي معرفة
34
التمهيد في علوم القرآن
- : والمراد أنّ للماء دخلا تامّا في وجود ذوي الحياة ، كما قال : وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ . قال : وفي ظلّ البحوث العلميّة الحديثة ظهرت صلة الحياة بالماء « 1 » معجزة قرآنيّة خالدة . قال سيّد قطب : وأمّا قوله تعالى : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ فيقرّر حقيقة خطيرة يعدّ العلماء كشفها وتقريرها أمرا عظيما . ويمجّدون « دارون » لاهتدائه إليها ! وتقريره : أنّ الماء هو مهد الحياة الأوّل . وهي حقيقة تثير الانتباه حقّا ، وإن كان ورودها في القرآن الكريم لا يثير العجب في نفوسنا ، ولا يزيدنا يقينا بصدق هذا القرآن . فنحن نستمدّ الاعتقاد بصدقه المطلق ، في كلّ ما يقرره ، من إيماننا بأنّه من عند اللّه ، لا من موافقة النظريات أو الكشوف العلمية له . وأقصى ما يقال هنا كذلك : إنّ نظرية النشوء والارتقاء لدارون وجماعته لا تعارض مفهوم النصّ القرآني في هذه النقطة بالذات . ومنذ أكثر من ثلاثة عشر قرنا كان القرآن الكريم يوجّه أنظار الكفّار إلى عجائب صنع اللّه في الكون ، ويستنكر أن لا يؤمنوا بها وهم يرونها مبثوثة في الوجود « أفلا يؤمنون ؟ » وكلّ ما حولهم في الكون يقود إلى الإيمان بالخالق المدبّر الحكيم « 2 » . وقال أيضا - عند قوله تعالى : وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ - : وهذه الحقيقة الضخمة التي يعرضها القرآن بهذه البساطة - حقيقة أنّ كل دابّة خلقت من ماء - قد تعني وحدة العنصر الأساسي في تركيب الأحياء جميعا ، وهو الماء . وقد تعني ما يحاول العلم الحديث أن يثبته من أنّ الحياة خرجت من البحر ونشأت
--> ( 1 ) تفسير الميزان : ج 14 ص 305 . ( 2 ) في ضلال القرآن : ج 5 ص 531 .