محمد هادي معرفة
300
التمهيد في علوم القرآن
قال الأردبيلي في بيانه لمعنى الآية : ولقد بالغ اللّه سبحانه وتعالى في التوصية لهما حيث شفّع الإحسان لهما بتوحيده تعالى . . . ثمّ لم يرخّص في أدنى كلمة تنفلت من المتضجّر . . . ثمّ أمر بالخضوع والتذلّل لهما بقوله تعالى : وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ « 1 » . ولم يقتصر الأمر في الإحسان والمعروف في حالة كونهما مسلمين ، بل حتى لو كانا مشركين ، قال تعالى : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما . . . « 2 » . وفي سورة أخرى وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً « 3 » . وفي الكشّاف قال في التفسير : وإن كنت مأمورا بحسن مصاحبتهما في الدنيا ثم اليّ مرجعك ومرجعهما فأجازيك على إيمانك واجازيهما على كفرهما ، علم بذلك حكم الدنيا . . . « 4 » . ونظرا لما يتميّز به القرآن الكريم من الواقعية ومعرفة خصائص البشر وطبيعتهم ، ونظرا لكونه الشريعة الخالدة لكلّ البشر في جميع الأزمان ، فقد أخذ في حسابه وقوع الافتراق بين الزوجين ، وأعطى هذا الأمر مشروعية في الحالات الموجبة ، ولكنّه تدخّل في هذه المسألة ، ووضع جملة من القواعد الملزمة والإجراءات المناسبة ، تقليصا لما ينتج عنه من آثار ، ورعاية لحقّ المرأة من جهة أخرى ، قال تعالى : إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ « 5 » . والظاهر هنا كما يقول الأردبيلي : إنه لا بدّ من وقوع الطلاق في وقت خاصّ صالح للعدّة ، وإنّ ذلك واجب وشرط الصحّة لأنها واردة لبيان تعليم الطلاق « 6 » ، ثمّ
--> ( 1 ) الإسراء : 24 . ( 2 ) العنكبوت : 8 . ( 3 ) لقمان : 15 . ( 4 ) الكشّاف للزمخشري : ج 3 ص 494 . ( 5 ) الطلاق : 1 . ( 6 ) زبدة البيان للأردبيلي : 591 .