محمد هادي معرفة

275

التمهيد في علوم القرآن

من الوقت عن جميع لذائذ الحواس ، وكذا توجيه حصر النشاطات البهيمية في النفس البشرية نحو تصعيد سليم . إنّ إنزال الأذى غير الضروري والّذي لا طائل تحته بالجسد مكروه في نظر الاسلام ، بل إنّه محرّم ، والصيام مفروض على الأصحّاء القادرين ، كوسيلة لتقييد الروح بفرض حدود معيّنة للجسد . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ « 1 » . فالصوم إنّما شرّع لأجل زرع فضيلة التقوى في النفوس ، في أيّام معدودات ، سوى المريض والمسافر ، ولسوى من يبلغ غاية طاقته . نعم ، الصوم تطوّع بالخير ، فمن تطوّع خيرا فهو خير له ، خير لنفسه وخير لمجتمعه وخير للناس أجمع . إنّ اللّه لا يريد عسرا بالعباد ولا زجرا للنفوس ، وإنّما هو تكميل لمراتب كمال النفس وتربيتها على التروّض عن مهابط اللذائذ الخسيسة ، وإكبار وإعظام لمقامه تعالى ، شكرا على جزيل نعمائه . نعم ، لا شكّ أنّ أولئك الذين قد اطّلعوا على شيء من تبذّل الإغريق والرومان والفرس وعرب الجاهلية وإغراقهم في إشباع شهواتهم وترديهم في رذائلهم ، سيقدّرون قيمة الصيام ويدركون حسن تكييفه في شريعة الاسلام . ولا بدّ للمنصفين فيهم أن يعترفوا بحكمته طريقا للحدّ من الغرائز الحيوانية عند الانسان ، الأمر الذي امتاز به الإسلام على سائر الأديان .

--> ( 1 ) البقرة : 183 - 185 .