محمد هادي معرفة
276
التمهيد في علوم القرآن
وليس هنالك دين قبل الإسلام في العالم ، كرّس الصدقة ، وإعالة اليتيم والأرملة والعاجز الضعيف ، بأن شرّع مبادئه فجعل تلك الأعمال إيجابية أساسية في أركانه . لقد كانت أعياد « الأغابي » أو ولائم الصدقة بين المسيحيين تعتمد على مشيئة الأفراد - كيف يقيمونها وينفقون على الضعفاء - ومن ثمّ كان تأثيرها غير منتظم ولا شافيا . وكانت قضية تحوّل هذه الأعياد غير المنتظمة إلى لا شيء ثمّ اندثارها وزوالها بعد اشتراعها بفترة وجيزة ، قضية زمن لا أكثر . وذلك على خلاف ما جاء في الاسلام ، حيث يكون كلّ فرد مسلم ثريّ نسبيّا - بحكم القاعدة الشرعية - ملزما بأن يساهم بقدر معيّن في قسط من أمواله في مساعدة إخوانه الفقراء . هذا بالإضافة إلى ما يخرجه ربّ الأسرة في كل يوم عيد الفطر من الزكاة عن أهله بقدر معيّن من الطعام والأرزاق إلى الفقراء . وهكذا الفريضة السنوية في أرباح المكاسب ، وغير ذلك ممّا فرضه اللّه في أموال الأغنياء لمساعدة الفقراء . قال سيّد مير عليّ الهندي : بهذا زها مجد الإسلام ، حين جسّد مشاعر المسيح وكساها لحما ودما بأن جعلها قوانين صارمة محدّدة « 1 » . * * * أمّا الحكمة التي تتضمّنها تلك العادة التي أرساها الزمن - وهي عادة الحجّ السنوي - فقد ظهرت في الإسلام نوعا من الرأفة الأخوية الحرّة في الدين ، بالرغم من اختلاف الشيع والطوائف والانشقاقات . وحين تكون جميع العيون متّجهة نحو بقعة مركزية هي مكّة المكرّمة والبيت العتيق فإنّ تلك الحالة تبقى متوهّجة في فؤاد كلّ منهم في ضلال ذلك النور المقدّس الذي بدّد ظلمات التاريخ في ذلك القرن . والحقّ أنّ الإسلام لم يعرف أيّة عبادة من شأنها أن تشوّش الفكر فيما يتعلّق
--> ( 1 ) روح الاسلام : ص 198 .