محمد هادي معرفة
198
التمهيد في علوم القرآن
كانت دلائل على صدق النبوّة ، وأمّا البعيدة منها فهي ما ينتظر دورها والزمن كفيل بإظهار ذلك للأجيال ، الأمر الذي لا يمكن البتّ بوقوعه فيما يأتي لسوى علّام الغيوب . من ذلك ، التحدّي بالقرآن بالنسبة إلى أجيال قادمة ، ممّا يجعل القطع في مثله دليلا على تداوم الإعجاز من ناحية التحدّي عبر الأيّام . قال تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا . . . « 1 » . فهذه القاطعية في عدم إمكان المعارضة مدى الأجيال لدليل قاطع على صدق الرسالة ، وأنّه من كلامه تعالى العالم بما كان وما يكون . الانسان مهما بلغ من قدرة على الكمال والعلم والأدب ، فإنّه إن أمكنه التحدّي مع أبناء زمانه - حيث يعرف مدى قابلياتهم - فإنّه عاجز عن إمكان معرفة مقدرة ذوي الفضائل في مستقبل الأيّام . قال تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً « 2 » . * * * ومن ذلك ، إخباره القاطع بظهور الإسلام وغلبة الدين على الإلحاد غلبة ظاهرة ، وأنّ الإسلام يعلو وما يعلى . هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً « 3 » . يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ « 4 » .
--> ( 1 ) البقرة : 23 و 24 . ( 2 ) الإسراء : 88 . ( 3 ) الفتح : 28 . ( 4 ) الصف : 8 و 9 .