محمد هادي معرفة
588
التمهيد في علوم القرآن
معقولان ، ثم استعير الطغيان للماء ، وهو محسوس ، والجامع بينهما هو الخروج عن الحدّ في الاستعلاء على جهة الإضرار ، ومن هذا قوله تعالى : بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ « 1 » فالعتوّ هو التكبّر ، وهو من الأمور المعقولة ، استعير هاهنا للريح وهي محسوسة ، والجامع بينهما هو الإصرار الخارج عن حدّ العادة ، ولنقتصر على هذا القدر من لطيف الاستعارة ، ففيه كفاية لما أردناه هاهنا . ( النظر الثالث ) في أسرار الكناية ، اعلم أنّ الكناية في لسان علماء البيان ما عوّل عليه الشيخ عبد القاهر الجرجاني ، وحاصل ما قاله هو أن يريد المتكلّم إثبات معنى من المعاني ، فلا يذكره باللفظ الموضوع له بل يأتي بتاليه ، فيومئ به إليه ويجعله دليلا عليه ، وتلخيص ما قاله هو اللفظ الدالّ على ما أريد به بالحقيقة والمجاز جميعا ، ومثاله قولهم : فلان كثير رماد القدر ، فإنّ هذا الكلام عند إطلاقه قد دلّ على حقيقته ومجازه معا ، فإنه دالّ على كثرة الرماد ، وهو حقيقته ، وقد دلّ على كثرة الضيفان ، وهو مجازه ، وهذا يخالف الاستعارة ، فإنك إذا قلت : جاءني الأسد ، وأنت تريد الإنسان ، فإنه دالّ على المجاز لا غير ، والحقيقة متروكة ، وهذه هي التفرقة بين الكناية والاستعارة . والتفرقة بين التعريض والكناية ، هو أنّ الكناية دالّة على ما تدلّ عليه بجهة الحقيقة والمجاز جميعا ، بخلاف التعريض ، فإنه غير دالّ على ما يدلّ عليه حقيقة ولا مجازا ، وانما يدلّ عليه بالقرينة ، فافترقا . وأمثلة الكناية كثيرة في كتاب اللّه تعالى ولكنّا نقتصر منها على قوله تعالى : وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ « 2 » فهذه الآية الكريمة قد اشتملت على أسرار في الكناية قد أشرنا
--> ( 1 ) الحاقّة : 6 . ( 2 ) الحجرات : 12 .