محمد هادي معرفة

589

التمهيد في علوم القرآن

إليها ورمزنا إلى مقاصدها في قاعدة الكناية من الكتاب . ومن ذلك قوله تعالى : كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ « 1 » فهو دالّ على ما وضع له في أصله من إفادته لحقيقة الأكل ، لكنّه مقصود به قضاء الحاجة ، وهو مجاز في حقّه ، فلهذا قلنا بأنّ الكناية دالّة على حقيقة الكلام ومجازه . ومن ذلك قوله تعالى : وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها « 2 » فقوله : وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها كما يحتمل الحقيقة وهي الأرض المنبتة فهو يحتمل أن يراد به المجاز ، وهو الفروج التي ملكهم إيّاها بالاسترقاق ، فلهذا أحلّ الوطء ، ويصدق هذه الكناية قوله تعالى : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ « 3 » فأمّا التعريض فهو كما أشرنا إليه دالّ بالقرينة وليس دالّا على حقيقة ولا مجاز . وهذا كقوله تعالى في قصّة إبراهيم عليه السّلام : قالُوا أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ « 4 » فهذه الآية إنما وردت كناية وتعريضا بحالهم ، وتهكّما واستهزاء بعقولهم ، ولم يرد إسناد الفعل إلى كبيرهم ، فذلك مستحيل لكونه جمادا ، ولكنّه أراد التسفيه لحلومهم ، والاستضعاف لعقولهم ، كأنه قال : يا جهّال البريّة كيف تعبدون ما لا يسمع ولا يعقل ولا يجيب سؤالا ولا يحير جوابا ، وتجعلونه شريكا لخالق السماء والأرض في العبادة ، فإن كان كما تزعمون فهو إنّما فعله كبيرهم فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ . ومن ذلك قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ

--> ( 1 ) المائدة : 75 . ( 2 ) الأحزاب : 27 . ( 3 ) البقرة : 223 . ( 4 ) الأنبياء : 62 و 63 .