محمد هادي معرفة

578

التمهيد في علوم القرآن

كدلالة لفظ الإنسان والفرس على هاتين الحقيقتين المخصوصتين ، وهي دلالة لغوية تختلف باختلاف الاصطلاحات والأوضاع . ودلالة الالتزام ، وهي التي تدلّ على أمر خارج غير المسمّى ، ومثاله دلالة لفظ الفرس ، والانسان على ما يكون لازما لهما عقلا - نحو الكون في الجهة والحصول في الأماكن - فهذه دلالة التزامية لأنه لا ينفك عمّا ذكرناه ، ودلالة التضمّن ، وهي الدلالة على جزء من أجزائه ، كدلالة الفرس والانسان على أجزائهما . واعلم أنّ المقصود الأعظم من هذه القاعدة هو بيان أنّ القرآن قد نزل في أعلى طبقات الفصاحة ، وأنّ كل كلام غيره وإن بلغ كلّ غاية في البلاغة ، فإنه لا يدانيه ولا يماثله ، وأنّ الثقلين من الجنّ والإنس لو اجتمعوا على أن يأتوا بمثله ، أو بسورة منه ، أو بآية ، ما قدروا ، كما حكى اللّه تعالى من تصديق هذه المقالة بقوله تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً « 1 » وقد حصل عجز الخلق عن الإتيان بمثله قطعا كما سنقرّره بعد هذا بمشيئة اللّه تعالى ، سواء أكان العجز بالإضافة إلى ما تضمّنه من علوم المعاني ، أم كان العجز بالإضافة إلى ما تضمّنه من علوم البيان ، وقد مرّ الكلام على ما تضمّنه من علوم المعاني ، والذي نذكره هاهنا هو ما نضمّنه من علوم البيان ، فنذكر ما تضمّنه من التشبيه ثم نردفه بما تضمّنه من الاستعارة ثم نذكر على إثره ما تضمّنه من الكناية ، ثم نذكر التمثيل ، ونختم الكلام فيه بالأسرار التي تضمّنها من الحقائق والمجازات . والذي نحاول تقريره هاهنا هو أن القرآن فاق في هذه المعاني على غيره ، وأنّ شيئا من الكلام المتقدّم لا يدانيه ولا يقاربه فيها ، ليحصل الناظر من ذلك على كونه قد بلغ الغاية بحيث لا غاية فوقه ، وأنه فائت لكلام أهل البلاغة في

--> ( 1 ) الإسراء : 88 .