محمد هادي معرفة

57

التمهيد في علوم القرآن

وعليه فكان موضع الكاف هنا ، نفيا للمماثلة وما يشبه المماثلة أو يدنو منها بعض الشيء ، فليس هناك شيء يشبه أن يكون مماثلا له تعالى ، فضلا عن أن يكون مثلا له على الحقيقة . وهذا من باب التنبيه بالأدنى دليلا على الأعلى ، على حدّ قوله تعالى : فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ « 1 » . وتأويل آخر أدق : وهو أنّ الآية لا ترمي نفي الشبيه له تعالى فحسب ، إذ كان يكفي لذلك أن يقول : « ليس كاللّه شيء » أو « ليس مثله شيء » . بل ترمي وراء ذلك دعم النفي بما يصلح دليلا على الدعوى والإلفات إلى وجه حجة هذا الكلام وطريق برهانه العقلي . ألا ترى أنك إذا أردت أن تنفي نقيصة عن انسان ، فقلت : « فلان لا يكذب » أو « لا يبخل » كان كلامك هذا مجرّد دعوى لا دليل عليها . أمّا إذا زدت كلمة المثل وقلت : « مثل فلان لا يكذب » أو « لا يبخل » فكأنك دعمت كلامك بحجّة وبرهان ، إذ من كان على صفاته وشيمه الكريمة لا يكون كذلك ، لأنّ وجود هذه الصفات والنعوت ممّا تمنع عن الاستسفال إلى رذائل الأخلاق . وهذا منهج حكيم وضع عليه أسلوب كلامه تعالى ، وأنّ مثله تعالى - ذا الكبرياء والعظمة - لا يمكن أن يكون له شبيه ، وأنّ الوجود لا يتسع لاثنين من جنسه « 2 » . فجيء بأحد لفظي التشبيه ركنا في الدعوى ، وبالآخر دعامة لها وبرهانا عليها . وهذا من جميل الكلام ، وبديع البيان ، ومن الوجيز الوافي . قال الزمخشري : قالوا : مثلك لا يبخل ، فنفوا البخل عن مثله ، وهم يريدون

--> ( 1 ) الإسراء : 33 . ( 2 ) النبأ العظيم : ص 128 .