محمد هادي معرفة
58
التمهيد في علوم القرآن
نفيه عن ذاته ، قصدوا المبالغة في ذلك فسلكوا به طريق الكناية ، لأنّهم إذا نفوه عمّن يسدّ مسدّه وعمّن هو على أخصّ أوصافه فقد نفوه عنه ، وهذا أبلغ من قولك : أنت لا تبخل . ومنه قولهم : « قد أيفعت لدّاته » « 1 » و « بلغت أترابه » « 2 » . وفي الحديث : « ألا وفيهم الطيّب الطاهر لدّاته » . وهذا ما تعطيه الكناية من الفائدة « 3 » . وقال ابن الأثير : ومن لطيف هذا الموضع وحسنه ما يأتي بلفظة « مثل » ، كقول الرجل إذا نفى عن نفسه القبيح : « مثلي لا يفعل هذا » أي أنا لا أفعله لأنّه إذا نفاه عمّن يماثله فقد نفاه عن نفسه لا محالة ، إذ هو بنفي ذلك عنه أجدر . وسبب ورود هذه اللفظة في هذا الموضع أنه يجعل من جماعة هذه أوصافهم وتثبيتا للأمر وتوكيدا . ولو كان وحده لقلق منه موضعه ولم يرس فيه قدمه « 4 » قال الأستاذ درّاز : واعلم أنّ البرهان الذي ترشد إليه الآية - على هذا الوجه - « 5 » برهان طريف في إثبات الصانع لا نعلم أحدا من علماء الكلام حام حوله ، فكل براهينهم في الوحدانية قائمة على إبطال التعدّد بإبطال لوازمه وآثاره العملية ، حسبما أرشد إليه قوله تعالى : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا « 6 » أمّا آية الشورى المذكورة فإنّها ناظرة إلى معنى وراء ذلك ، ينقض فرض التعدّد من أساسه ويقرّر استحالته الذاتية في نفسه بقطع النظر عن تلك الآثار فكأننا بها تقول لنا :
--> ( 1 ) أيفع الغلام : ترعرع وناهز البلوغ ، فهو يافع . واللدّ : القرن والخصم . ( 2 ) الأتراب : جمع ترب بمعنى المتوافق في السنّ . ( 3 ) تفسير الكشاف : ج 4 ص 213 . ( 4 ) المثل السائر : ج 3 ص 61 ذكره في باب الإرداف في الكناية . ( 5 ) أي إرداف اللفظ بحجّته في أوجز كلام . ( 6 ) الأنبياء : 22 .