محمد هادي معرفة
568
التمهيد في علوم القرآن
عن أن يكون دعاء عليه في ظاهر الأمر كما ترى ، وكما يرد في المفرد ، فقد يرد في الجمل ، فهذان ضربان ، نذكر ما يتعلّق بكل واحد منهما بمعونة اللّه تعالى . ( الأول ) في بيان عطف المفردات بعضها على بعض بالواو ، ونذكر فيه من التنزيل آيتين . الآية الأولى : قوله تعالى في سورة الغاشية : أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ . وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ . وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ . وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ « 1 » ، فعطف بعض هذه المفردات على بعض ، ولا بدّ هناك من رعاية الملائمة والمناسبة في تقديم بعضها على بعض لئلّا يخلو التنزيل عن أسرار معنوية ودقائق خفية ، يتفطّن لها أهل البراعة ، ويقصر عن إدراكها من لا حظوة له في معرفة هذه الصناعة ، فلا بدّ من أن يكون لتقديم المعطوف عليه على المعطوف وجه يسوّغه ، وإلّا كان لغوا ، ولهذا ضعف : زيد قائم وعمرو باع داره ، إذ لا علقة بين هاتين الجملتين تكون سببا لعطف إحداهما على الأخرى ، ولهذا عيب على أبي تمام قوله : لا والّذي هو عالم أنّ النّوى * صبر وأنّ أبا الحسين كريم إذ لا مناسبة بين مرارة النوى ، وكرم أبي الحسين . فأمّا الآية فلنشر إلى الأسرار التي لأجلها قدّم بعضها على بعض ، فأمّا تقديم الإبل ، فإنما كان ذلك من أجل أنّ الخطاب للعرب من أهل البلاغة ، فمن أجل ذلك كان الاستجلاء على حسب ما يألفونه ، وذلك أنّ العرب أكثر تعويلهم في معظم تصرّفاتهم على المواشي في المطاعم والملابس والمشارب والمراكب ، وأعمّها نفعا هي الإبل ، لأنّ أكثر المنافع هذه لا تصلح إلّا فيها على العموم ، مع
--> ( 1 ) الغاشية : 17 - 20 .