محمد هادي معرفة
569
التمهيد في علوم القرآن
ما اختصّت به من الخلق العظيم والإحكام العجيب ، فمن أجل ذلك صدّرها بالنظر فيها لذلك . ثم إنه أردفها بذكر النظر في خلق السماوات ، ووجه الملائمة بينهما هو أنّ قوام هذه الأنعام ومادّة المواشي إنما هو بالرعي ، وأكل الخلي ، وكان ذلك لا يكون إلّا بنزول المطر من السماء ، مع ما اختصّت به من التأليف الباهر والامتداد العظيم ، والسعة الكلية ، فمن أجل ذلك عقّب بها ذكر الإبل ، إشارة إلى ما قلناه . ثم أردف ذلك بذكر النظر في الجبال وما تضمّنته من العجائب العظيمة من أجل أنهم إذا قعدوا في البراري وبطون الأودية لا يأمنون التخطّف لهذه الأنعام والنفوس والأموال ، فأشار إليها لما فيها من التحفّظ على أموالهم ونفوسهم بارتفاعها وكونها شوامخ لا يوصل إليها لعلوها وارتفاعها ، فعقّب بها ذكر السماء ، لما أشرنا إليه . ووجه آخر وهو أنها لمّا كانت في غاية الارتفاع والسموّ أشبهت السماء في علوّها وارتفاعها ، فلهذا عقّبها بها . ثم أردفها بذكر الأرض ، منبّها على ما لهم فيها من المعاش والاستقرار بأنواع الارتفاقات التي لا يعلم تفاصيلها إلّا اللّه تعالى من الأرزاق والثمار والفواكه والمعادن ومجاري العيون والأمواه ، وغير ذلك ، فأشار اللّه تعالى إلى هذه العجائب الأربعة ، لما كانت من أعظم الآيات الباهرة ، وقد عددنا هذه في عطف المفردات نظرا إلى عطف المجرورات بعضها على بعض وكان ما بعدها منفصلا عنها فهذا هو الذي حسن منه . والأقرب أن يكون من الجمل ، لأنّ ما تقدّم من المجرورات هو متعلّق بالجمل بعدها ، فلهذا كان معدودا من الجمل . الآية الثانية : ذكرها في سورة آل عمران وهي قوله تعالى : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ