محمد هادي معرفة
530
التمهيد في علوم القرآن
الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ « 1 » . فانظر إلى مفردات أحرف هذه الآية ، ما أسلسها وأرقّها وألطفها ، ثمّ في تأليفها ما أسهله على اللسان ، ثمّ انظر إلى مفردات ألفاظه ما أعذبها وأجراها على الألسنة من غير صعوبة ولا عسرة ، ثمّ انظر إلى تأليف مفرداتها كيف طابقت الغرض المقصود منها ، وسيقت على أتمّ سياق وأعجبه ، فلمّا كان من أمر الطوفان ما كان من تطبيقه للأرض ذات الطول والعرض ، وإذن اللّه بإهلاك قوم نوح به ، واقتضت الحكمة الإلهية إخراجه ومن معه من الفلك إلى الأرض . ابتدأ بقوله « قيل » إبهاما للقائل وإعظاما لأمره ، حيث بني لما لم يسمّ فاعله ، تهويلا للأمر وإعظاما لحاله ، ولم يقل : قال اللّه ثم نادى الأرض بالابتلاع للماء ، فيحتمل أن يكون هناك خطاب كما هو ظاهر ، ويحتمل أن لا يكون هناك خطاب كما في قوله تعالى : كُنْ فَيَكُونُ « 2 » ليس الغرض أنه لا بدّ في التكوين من قوله ( كن ) ولكن كنّى بذلك عن سرعة الإجابة عند الإرادة للفعل ، بحصول الداعية إليه من غير أن يكون هناك خطاب ، ثمّ أمر السماء بالإقلاع ، جريا على ما ذكرناه في الأرض ، ثمّ قال « وغيض الماء » تصديقا لقوله « ابلعي » و « أقلعي » لأنه مهما حصلا غاض الماء لا محالة لعدم ما يمدّه ، ثمّ قال وَقُضِيَ الْأَمْرُ إمّا في إهلاكهم وإمّا بحصول المرادات في الأرض بإخراجهم إليها ، ثمّ قوله وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ إخبار بالاستقرار للسفينة على هذا الجبل ، وأنّ خروجهم منها كان إليه ، وقوله بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ فيه إشارة إلى عظم الغضب واستحقاق العقوبة الأبدية . فهذا تنبيه على أسرار الآية على جهة الإجمال والإحاطة لمعانيها على جهة التفصيل ممّا لا تقدر عليه القوى البشرية ، ولكنّا نرمز إلى ما يحضرنا من
--> ( 1 ) هود : 44 . ( 2 ) البقرة : 117 ، آل عمران : 47 و 59 ، الأنعام : 73 ، النحل : 40 ، مريم : 35 ، يس : 82 ، غافر : 68 .