محمد هادي معرفة
489
التمهيد في علوم القرآن
حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا « 1 » فالصلاة مراد بها أولا معناها المعهود . لكنّه في قوله : وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ أريد موضعها وهو المسجد ، حيث كان المتعارف إيقاع الصلاة فيه ذلك العهد . ومثّل له ابن أبي الإصبع بقوله تعالى : لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ . يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ « 2 » . فالكتاب في لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ يحتمل معنيين : الأمد المحدود لا يتغيّر ولا يتبدّل ، كقوله تعالى : حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ « 3 » أي أمده المقرّر شرعا وهو تمام العدّة . والمعنى الآخر : هو الكتاب بمعنى المكتوب المكنون ، كقوله تعالى : فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ « 4 » . قال : وقد توسّطت لفظة « كتاب » بين قوله : « لكلّ أجل » مرادا به الأمد المحدود ، وبين قوله : يَمْحُوا . . . وَيُثْبِتُ مرادا به الكتاب المكنون . . . فيكون تقدير الكلام : لكل حدّ مؤقت مكتوب يمحي ويثبت « 5 » وخلاصة المعنى : إنّ الآجال مقدّرة محدودة ومثبّتة في كتاب عند اللّه . وكل امّة إنّما تقضي أجلها . وهو لا يتغيّر ولا يتبدّل عمّا أثبته اللّه في الكتاب . نعم هذا لا يعني أنّ الأمور ختمت على ما ثبتت أولا ، وإنما أزمّة الأمور بيده تعالى يمحو منها ما يشاء ويثبت حسب علمه تعالى بمصالح العباد . ومنه قوله تعالى : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ - إلى قوله -
--> ( 1 ) النساء : 43 . ( 2 ) الرعد : 38 و 39 . ( 3 ) البقرة : 235 . ( 4 ) الواقعة : 78 . ( 5 ) بديع القرآن : ص 104 .