محمد هادي معرفة

461

التمهيد في علوم القرآن

ترى أنّ الآيات المذكورة كلّها إذا تأمّلتها وجدت معانيها متّصلة من غير تقدير للمحذوفات التي قدّر حذفها . ثم إذا قدّرت سهل تقديرها ببديهة النظر . ولكن هناك ما ليس كذلك ، بل إذا تأمّله المتأمّل وجده غير متّصل المعنى ، وإذا أراد أن يقدّر المحذوف عسر عليه . فممّا جاء منه قوله تعالى : وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ . وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ . اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ « 1 » . فهذا الكلام إذا تأمّلته لم تجده متّصل المعنى ، ولم يتبيّن وجه لمجيء ذكر داود ( عليه السّلام ) رادفا لقوله : اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ . وإذا أردت أن تقدّر هنا محذوفا يوصل به المعنى عسر عليك . وتقديره يحتمل وجهين : أحدهما : أنه قال : اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ، وخوّفهم أمر معصية اللّه ، وعظّمها في عيونهم بذكر قصّة داود الذي كان نبيّا وقد آتاه اللّه الملك والنبوّة ، ومع ذلك لمّا زلّ زلّة قوبل بكذا وكذا ، فما الظنّ بكم أنتم مع كفركم ؟ والوجه الآخر : أنّه قال : اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واحفظ نفسك أن تزلّ في شيء ممّا كلّفته من مصابرتهم ، واحتمال أذاهم . واذكر أخاك داود وكرامته على اللّه كيف زلّ تلك الزلّة ، فلقي من توبيخ اللّه ما لقى ؟ ! فهذا الكلام كما ترى يحتاج إلى تقدير ، حتى يتّصل بعضه ببعض ، وهو من أغمض ما يأتي من المحذوفات . وبه يتنبّه على مواضع أخرى غامضة . ومن هذا الضرب ، وكأنّ الجمل المحذوفة غير تامّة ، قوله تعالى :

--> ( 1 ) ص : 15 - 17 .