محمد هادي معرفة

392

التمهيد في علوم القرآن

الفظيع بالشهيق . وهي تفور ، تغلى بهم غليان المرجل بما حواه . وجعلت كالمغتاظة عليهم لشدّة غليانها . يقال : فلان يتميّز غيظا ويتقصّف غضبا « 1 » أي يتقطّع فتطير منه شقة إلى الأرض وشقة إلى السماء . وهذا غاية في وصف الغضب بالإفراط « 2 » . وقوله تعالى : وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ « 3 » . شبّهت الأرض والسماء بأهل التميّز والعقل ، بالإقبال عليهما بالخطاب ، والتوجيه إليهما بالأمر والتكليف . واستعير غور الماء بالابتلاع ، كأنّ الأرض تبتلع ماءها ، والسماء تقتلع ادرارها . والبلع عبارة عن النشف ، والإقلاع : الإمساك . قال الزمخشري : نداء الأرض والسماء بما ينادى به العاقل المميّز على لفظ التخصيص ، والإقبال عليهما بالخطاب من بين سائر المخلوقات ، ثمّ أمرهما بما يؤمر به أهل التميّز والعقل ، من الدلالة على الاقتدار العظيم ، وأنّ السماء والأرض وما بينهما من الأجرام العظام منقادة لتكوينه فيها ما يشاء ، غير ممتنعة عليه . كأنها عقلاء مميّزون ، قد عرفوا عظمته وجلالته وقدرته ، وتبيّنوا تحتّم طاعته ، فهم يهابونه ويفزعون من التوقّف دون الامتثال له ، والنزول على مشيئته على الفور من غير ريث ، فكما يرد عليهم أمره ، كان المأمور به مفعولا ، لا حبس فيه ولا إبطاء . ومجيء إخباره على الفعل المبني للمفعول للدلالة على الجلال والكبرياء ،

--> ( 1 ) التقصّف : صوت الرعد . ( 2 ) العمدة : ج 1 ص 275 باب 37 . ( 3 ) هود : 44 .