محمد هادي معرفة
393
التمهيد في علوم القرآن
وأنّ تلك الأمور العظام لا تكون إلّا بفعل فاعل قادر وتكوين قاهر ، وأنّ فاعلها فاعل واحد لا يشارك في أفعاله ، فلا يذهب الوهم إلى أن يقول غيره : يا أرض ابلعي ويا سماء أقلعي . ولا أن يقضي ذلك الأمر الهائل غيره ، ولا أن تستوي السفينة على متن الجوديّ وتستقرّ عليه إلّا بتسويته وإقراره . ولمّا ذكرنا من المعاني والنكت استفصح علماء البيان هذه الآية ، ورقّصوا لها رؤوسهم ، لا لتجانس الكلمتين « ابلعي » و « أقلعي » . وذلك وإن كان من محاسن الكلام ، لكنّه كغير الملتفت إليه بإزاء سائر المحاسن التي هي اللبّ وما عداها قشور « 1 » . الاستعارة أفضل أنواع المجاز : قال ابن رشيق : الاستعارة هي أفضل أنواع المجاز وأوّل أبواب البديع ، وليس في حلى الشعر أعجب منها ، وهي من محاسن الكلام إذا وقعت موقعها ونزلت موضعها « 2 » وهي من التوسّع في الكلام والتفنّن فيه ، مفيضا عليه ملامح الإدلال والاستدلال ، بما فيه من التشبيه والتخييل وروعة التمثيل . وفي الاستعارة نوع من المبالغة القريبة فيها أناقة ولطف ، يقرّب المعنى وتوضحه بما فيه من التشبيه والتمثيل ، وتكسوه جمالا وروعة بما فيه من التصوير والتخييل . فكان الاستعارة في الكلام أناقة في التصوير ، وإجادة في التعبير . وقد حصر الشيخ عبد القاهر الجرجاني أسرار البلاغة ودلائل إعجاز البيان في فنون التشبيه والتمثيل وأنواع الاستعارة « 3 »
--> ( 1 ) تفسير الكشّاف : ج 2 ص 398 . ( 2 ) العمدة : ج 1 ص 268 باب 37 . ( 3 ) فقد وضع كتابه « أسرار البلاغة » في ضروب التشبيه وأنواع الاستعارات فحسب .