محمد هادي معرفة
358
التمهيد في علوم القرآن
ولا استقرار . فيمثل لهذا المعنى بصورة سريعة الخطوات عنيفة الحركات : وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ « 1 » . هكذا في ومضة يخرّ من السماء من حيث لا يدري أحد ، فلا يستقرّ على الأرض لحظة ، إنّ الطير لتخطفه . أو أنّ الريح لتهوي به ، وتهوي به في مكان سحيق ، حيث لا يدري أحد كذلك ، وذلك هو المقصود . ويريد أن يثبت معنى الحرمان والإهمال في الآخرة لهؤلاء الذين أعطاهم اللّه الكتاب من قبل الاسلام فأهملوه ، وعاهدهم على الايمان فعاهدوه ثمّ أخلفوه ، ابتغاء نفع مادّيّ قليل ، شأن من لا عهد له ، ولا احترام لكلمته ، فيرسم لهذا الاهمال المعنوي صورة حسّية : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ « 2 » . فيوضح معنى الإهمال لا بألفاظ الإهمال ، ولكن برسم الحركات الدالّة عليه : لا كلام ، ولا نظر ، ولا تزكية ، وإنما عذاب أليم . تصوير الحالات النفسية : تعتور الإنسان حالات نفسية ، تنتابه على أثر انفعالات هي بدورها متأثّرة من محيطه وتنطبع في نفسه لتشكّل شخصيّته ، وما هي سوى انعكاسات وردود فعل حاصلة في نفسه ، إن رقيقا أو عنيفا ، حسب قوّة نفسه أو ضعفها عند مجابهة
--> ( 1 ) الحج : 31 . ( 2 ) آل عمران : 77 .