محمد هادي معرفة

289

التمهيد في علوم القرآن

يسمّى باب التخلص والاقتضاب « 1 » قال أهل البيان : من البلاغة حسن الابتداء ، ويسمّى « براعة المطلع » . وهو أن يتأنق المتكلّم في أول كلامه ، ويأتي بأعذب الألفاظ وأجزلها وأرقّها وأسلسها وأحسنها نظما وسبكا ، وأصحّها مبنى ، وأوضحها معنى ، وأخلاها من الحشو ، والركّة والتعقيد ، والتقديم والتأخير الملبّس والذي لا يناسب . قالوا : وقد أتت جميع فواتح السور من القرآن المجيد على أحسن الوجوه وأبلغها وأكملها ، كالتحميدات وحروف الهجاء والنداء وغير ذلك « 2 » . قال ابن الأثير : وحقيقة هذا الركن البلاغي أن يجعل مطلع الكلام دالّا على المعنى المقصود منه ، إن كان فتحا ففتحا ، وإن كان هناء فهناء ، أو عزّاء فعزاء ، وكذلك في سائر المعاني . قال : وهذا يرجع إلى أدب النفس لا إلى أدب الدرس . ولهذا عيب على كثير من الشعراء والخطباء ، زلّتهم في هذا المقام « 3 » . قال : وإنما خصّت الابتداءات بالاختيار لأنها أول ما يطرق السمع من الكلام ، فإذا كان الابتداء لائقا بالمعنى الوارد بعده توفّرت الدواعي على استماعه .

--> ( 1 ) ذكره ابن الأثير في النوع الثالث والعشرين ( ج 3 ص 121 ) قال : أمّا التخلّص فهو أن يأخذ المتكلّم في معنى من المعاني ، فبينا هو فيه إذ أخذ في معنى آخر غيره ، وجعل الأوّل سببا إليه ، فيكون بعضه آخذا برقاب بعض ، من غير أن يقطع كلامه ويستأنف كلاما آخر . بل يكون جميع كلامه كأنما أفرغ إفراغا . وأمّا الاقتضاب فهو أن يقطع كلامه ويستأنف كلاما آخر ، ولا يكون بينهما علاقة في ظاهر الأمر . وهو مذهب من مذاهب العرب فيه طرافة وظرافة . وسنأتي على كلّ من القسمين في مبحث « حسن الخاتمة » إن شاء اللّه . ( 2 ) قال ابن معصوم في أنوار الربيع : ج 1 ص 34 . ( 3 ) راجع ما ذكره من معايب الشعراء القدامى والمحدثين في هذا الباب . وكذلك ما أخذه ابن معصوم على مطلع قصيدة امرئ القيس . وقد ذكرنا شطرا منه فيما سبق في حقل المقارنات .