محمد هادي معرفة
290
التمهيد في علوم القرآن
قال : ويكفيك من هذا الباب الابتداءات الواردة في القرآن الكريم ، كالتحميدات المفتتح بها أوائل السور ( منها المسبّحات ) وكذلك الابتداءات بالنداء في مثل قوله يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ « 1 » . فإنّ عموم الخطاب ينمّ عن رعاية وعناية بالغة بشأن المخاطبين جميعا . ولا سيّما جاء تعقيبه بربّ الجميع الذي أفاض عليهم نعمة الوجود ومنحهم الحياة وأنشأهم من أصل واحد ، لا ميز بينهم في أصل ولا نسب . فما أبرعه من خطاب جلل فخم ، يسترعي انتباه عامّة الخلائق في هذا الشمول والعموم . وكذلك قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ « 2 » فإنّ هذا الابتداء المقترن بالتنبيه على خطورة أمر الانتهاء ممّا يسترعي الانتباه ويوقظ السامعين للإصغاء إليه بكل وجودهم . قال : وكذلك الابتداءات بالحروف المقطّعة في مثل قوله : « طس » و « حم » و « ألم » و « ق » و « ن » وغيرهنّ ممّا يبعث على الاستماع إليه ، لأنّه يقرع السمع شيء غريب ، ليس بمثله عادة ، فيكون سببا للتطلّع نحوه والإصغاء إليه . ثمّ أخذ في بيان ما استقبح من ابتداءات أقوال الشعراء « 3 » المبادئ والافتتاحات في كلام اللّه تعالى ولنبدأ بفاتحة الكتاب ، وهي أمّ الكتاب ، وعدل القرآن ، وقد استهلّ المصحف الشريف بها ، لاحتوائها على أمّهات مقاصد القرآن الكريم وأصول
--> ( 1 ) النساء : 1 . ( 2 ) الحج : 1 . ( 3 ) المثل السائر : ج 3 ص 98 .