محمد هادي معرفة

256

التمهيد في علوم القرآن

قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَ فَلا تَسْمَعُونَ . قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَ فَلا تُبْصِرُونَ « 1 » . ختمت الآية الأولى بقوله : أَ فَلا تَسْمَعُونَ لأنّه المناسب لذكر الليل السرمد ، وهي الظلمة المطبقة ، لا موضع فيها لحسّ البصر ، سوى حسّ السمع يسمع حسيسها . وأمّا الآية الثانية ، فكان الكلام فيها عن النهار السرمد ، فناسبه الابصار . قال الزركشي : وهذا من دقيق المناسبة المعنوية . وقوله تعالى : إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ . وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ . وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ « 2 » . ختم الآية الأولى بقوله : « للمؤمنين » . والثانية « لقوم يوقنون » . والثالثة « لقوم يعقلون » لأنّ العوالم كلّها هي دليل الصنع الباعث على الايمان . أمّا التدبّر في تفاصيل الخلق الدالّة على التدبير فهو دليل النظم الموجب للايقان . وأخيرا فإنّ الذي يدعو للايمان واليقين بسبب التدبّر في آياته تعالى والتفكّر في خلقه هو شرف العقل ، الموجود المفضّل في كيان الانسان . وقوله تعالى :

--> ( 1 ) القصص : 71 و 72 . ( 2 ) الجاثية : 3 - 5 .