محمد هادي معرفة
257
التمهيد في علوم القرآن
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ . ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ « 1 » فسياق الآية بهذا النظم البديع ، وتسلسل الخلقة بهذا النمط الرتيب ، ليقضى بختمها بهكذا تحميد وتحسين عجيب . فقد روي أنّ بعض الصحابة - يقال : إنّه معاذ بن جبل - حين نزلت الآية ، بادر إلى تحسينها والإعجاب بها ، فنطق بهذه الخاتمة قبل نزولها . فضحك رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله ) وقال لمعاذ : بها ختمت « 2 » . 2 - التصدير : هو أن تكون الفاصلة مذكورة بمادّتها في صدر الآية ، ويسمّى أيضا : ردّ العجز على الصدر . وهو من حسن البديع ، إذ يرتبط صدر الكلام مع ذيله بوشائج من التلاحم والوئام . قال ابن رشيق : وهذا يكسب الكلام ابّهة ، ويكسوه رونقا وديباجة ، ويزيده مائيّة وطلاوة « 3 » . من ذلك قوله تعالى : وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ « 4 » وقوله : وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ « 5 » . لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى « 6 » . وقد يكون التشاكل لفظيا بحتا ، وهو من لطف البديع ، كقوله تعالى : قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ « 7 » ، أي من الناقمين .
--> ( 1 ) المؤمنون : 12 - 14 . ( 2 ) معترك الاقران : ج 1 ص 40 . ( 3 ) العمدة : ج 2 ص 3 . ( 4 ) آل عمران : 8 . ( 5 ) الأنعام : 10 . ( 6 ) طه : 61 . ( 7 ) الشعراء : 168 .