محمد هادي معرفة

173

التمهيد في علوم القرآن

الفصاحة والبلاغة وقع الصاعقة . ولم يكن مستغربا من جاهليّ مثل الوليد بن المغيرة عاش ومات على كفره أن يذهل . وأن لا يستطيع أن يكتم إعجابه بالقرآن ، برغم كفره فيقول - وقد اعتبره من كلام محمّد - : واللّه إنّ لقوله لحلاوة ، وإنّ عليه لطلاوة ، وإنّ أعلاه لمثمر ، وإنّ أسفله لمغدق ، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه . ولمّا طلبوا منه أن يسبّه قال : قولوا ساحر ، جاء بقول يفرق بين المرء وأبيه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وعشيرته . إنه السحر حتى على لسان العدو الذي يبحث عن كلمة يسبّه بها . وإذا كانت العبارة القرآنية لا تقع على آذاننا اليوم موقع السحر والعجب والذهول فالسبب هو التعوّد والألفة والمعايشة منذ الطفولة والبلادة والإغراق في عامية مبتذلة أبعدتنا عن أصول لغتنا . ثم أسلوب الأداء الرتيب المملّ الذي نسمعه من مرتّلين محترفين يكررون السورة من أولها إلى آخرها بنبرة واحدة لا يختلف فيها موقف الحزن من موقف الفرح ، من موقف الوعيد ، من موقف البشرى ، من موقف العبرة . نبرة واحدة رتيبة تموت فيها المعاني وتتسطّح العبارات . وبالمثل بعض المشايخ ممن يقرأ القرآن على سبيل اللعلعة دون أن ينبض شيء في قلبه . ثم المناسبات الكثيرة التي يقرأ القرآن فيها روتينيا . ثم الحياة العصرية التي تعدّدت فيها المشاغل وتوزّع الانتباه وتحجّر القلب وتعقّدت النفوس وصدأت الأرواح . وبرغم هذا كله فإنّ لحظة صفاء ينزع الواحد فيها نفسه من هذه البيئة اللزجة ويرتدّ فيها طفلا بكرا وترتدّ له نفسه على شفافيتها كفيلة بأن تعيد إليه ذلك الطعم الفريد والنكهة المذهلة والإيقاع المطرب الجميل في القرآن . وكفيلة