محمد هادي معرفة

174

التمهيد في علوم القرآن

بأن توقفه مذهولا من جديد بعد قرابة ألف وأربعمائة سنة من نزول هذه الآيات وكأنها تنزل عليه لساعتها وتوّها . اسمع القرآن يصف العلاقة الجنسية بين رجل وامرأة بأسلوب رفيع وبكلمة رقيقة مهذّبة فريدة ، لا تجد لها مثيلا ولا بديلا في أية لغة : فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً « 1 » هذه الكلمة « تغشّاها » تغشاها رجلها . أن يمتزج الذكر والأنثى كما يمتزج ظلّان وكما يغشى الليل والنهار وكما تذوب الألوان بعضها في بعض ، هذا اللفظ العجيب الذي يعبّر به القرآن عن التداخل الكامل بين اثنين هو ذروة في التعبير . وألفاظ أخرى تقرأها في القرآن فتترك في السمع رنينا وأصداء وصورا حينما يقسم اللّه بالليل والنهار فيقول : وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ . وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ « 2 » . « عسعس » هذه الحروف الأربعة هي الليل مصوّرا بكل ما فيه . وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ . إنّ ضوء الفجر هنا مرئيّ ومسموع . إنك تكاد تسمع زقزقة العصفور وصيحة الديك . فإذا كانت الآيات نذير الغضب وإعلان العقاب فإنك تسمع الألفاظ تتفجّر ، وترى المعمار القرآني كله له جلجلة . اسمع ما يقول اللّه عن قوم عاد : وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ « 3 »

--> ( 1 ) الأعراف : 189 . ( 2 ) التكوير : 17 و 18 . ( 3 ) الحاقّة : 6 و 7 .