محمد هادي معرفة

172

التمهيد في علوم القرآن

ثم هذا الاستطراد في وصف القدرة الإلهية : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ « 1 » ولكن الموسيقى الباطنية ليست هي كل ما انفردت به العبارة القرآنية ، وإنما مع الموسيقى صفة أخرى هي الجلال . وفي العبارة البسيطة المقتضية التي روى بها اللّه نهاية قصة الطوفان تستطيع أن تلمس ذلك الشيء الهائل ، الجليل في الألفاظ : وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ « 2 » تلك اللمسات الهائلة ، كل لفظ له ثقل الجبال ووقع الرعود تنزل ، فإذا كل شيء : صمت ، سكون ، هدوء ، وقد كفت الطبيعة عن الغضب ، ووصلت القصة إلى ختامها : وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ إنك لتشعر بشيء غير بشري تماما في هذه الألفاظ الهائلة الجليلة ، المنحوتة من صخر صوان ، وكأنّ كل حرف فيها جبل الألب . لا يمكنك أن تغيّر حرفا ، أو تستبدل كلمة بأخرى ، أو تؤلّف جملة مكان جملة ، تعطي نفس الإيقاع والنغم والحركة والثقل والدلالة . وحاول وجرّب لنفسك في هذه العبارة البسيطة ذات الكلمات العشر أن تغيّر حرفا أو تستبدل كلمة بكلمة . ولهذا وقعت العبارة القرآنية على آذان عرب الجاهلية الذين عشقوا

--> ( 1 ) الانعام : 59 . ( 2 ) هود : 44 .