محمد هادي معرفة
169
التمهيد في علوم القرآن
وتسجيعه ، ومن تشطير الكلام على أشطار متساوية ، وأوزان وبحور مصطنعة . كلّها قشور وقوالب لفظية مجرّدة ، و ( الموسيقى الباطنة ) التي يبعثها جلال التعبير وأبّهة البيان ، الفائضة من صميم الكلام ومن سرّ خلده . إنه جمال اللفظ ملتئما مع فخامة المعنى ، فتآلفا فكانت وليدتهما تلك النغمة التي تهزّ المشاعر ، وتلك النسمة التي تثير الأحاسيس . ومن ثمّ فإنها تؤثّر إلى الأعماق . وللأستاذ مصطفى محمود محاولة في بيان هذا السرّ العجيب للمعمار القرآني ، الجديد في سبكه ، الفريد في أسلوبه . . . قائلا : « وهذا سرّ من أعمق الأسرار في التركيب القرآني ، إنه ليس بالشعر ولا بالنثر ولا بالكلام المسجوع ، وإنما هو معمار خاصّ من الألفاظ صفّت بطريقة تكشف عن الموسيقى الباطنة فيها . وفرق كبير بين الموسيقى الباطنة والموسيقى الظاهرة . وكمثل نأخذ بيتا لشاعر مثل عمر بن أبي ربيعة اشتهر بالموسيقى في شعره ، البيت الذي ينشد فيه : قال لي صاحبي ليعلم ما بي * أتحبّ القتول أخت الرباب أنت تسمع وتطرب وتهتزّ على الموسيقى ، ولكن الموسيقى هنا خارجية صنعها الشاعر بتشطير الكلام في أشطار متساوية ثم تقفيل كل عبارة تقفيلا واحدا على الباء الممدودة . الموسيقى تصل إلى اذنك من خارج العبارة وليس من داخلها . من التقفيلات ( القافية ) ومن البحر والوزن . أما حينما تتلو : وَالضُّحى . وَاللَّيْلِ إِذا سَجى « 1 » فأنت أمام شطرة واحدة ، وهي بالتالي تخلو من التقفية والوزن
--> ( 1 ) الضحى : 1 و 2 .