محمد هادي معرفة
170
التمهيد في علوم القرآن
والتشطير ، ومع ذلك فالموسيقى تقطر من كل حرف فيها ، من أين ؟ وكيف ؟ هذه هي الموسيقى الداخلية . الموسيقى الباطنة سرّ من أسرار المعمار القرآني لا يشاركه فيه أيّ تركيب أدبي . وكذلك حينما تقول : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى « 1 » وحينما تتلو كلمات زكريا لربّه : قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا « 2 » أو كلمة اللّه لموسى : إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى « 3 » أو كلمته تعالى وهو يتوعّد المجرمين : إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى « 4 » كل عبارة بنيان موسيقيّ قائم بذاته تنبع فيه الموسيقى من داخل الكلمات ومن ورائها ومن بينها بطريقة محيّرة لا تدري كيف تتم . وحينما يروي القرآن حكاية موسى بذلك الأسلوب السيمفوني المذهل : وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى . فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى « 5 » كلمات في غاية الرقّة مثل « يبسا » أو لا تخاف « دركا » بمعنى لا تخاف إدراكا . إنّ الكلمات لتذوب في يد خالقها وتصطفّ وتتراصّ في معمار ورصف موسيقيّ فريد هو نسيج وحده بين كل ما كتب بالعربية سابقا ولاحقا .
--> ( 1 ) طه : 5 . ( 2 ) مريم : 4 . ( 3 ) طه : 15 . ( 4 ) طه : 74 . ( 5 ) طه : 77 - 79 .