محمد هادي معرفة
95
التمهيد في علوم القرآن
المتمادية ، أنّ أحدا تحدّى أحدا منهم برقّة شعره ، ولا باشتماله على أمور محجوبة ، ولا بعدم التناقض فيها ، وفي هذا دلالة كافية على أنّ تعويلهم في التحدّي إنّما هو على ما ذكرناه ، فيجب حمل القرآن في الآيات المطلقة عليه ، وفي ذلك حصول ما أردناه ، وتمام تقرير هذه الدلالة بإيراد الأسئلة عليها والانفصال عنها . السؤال الأول منها : قد زعمتم أنّ وجه إعجاز القرآن إنّما هو الفصاحة ، والبلاغة ، والنظم ، وحاصل هذه الأمور كلّها ، إمّا أن تكون راجعة إلى مفردات الكلم ، أو تكون راجعة إلى مركباتها ، ولا شك أنّ العرب قادرون على المفردات لا محالة ، ولا شك أنّ كلّ من قدر على المفردات فهو قادر على مركّباتها ، فلو كان كما ذكرتموه لكان العرب قادرين على المعارضة ، وهذا يدلّ على أنّ وجه إعجازه ليس أمرا راجعا إلى البلاغة ، والفصاحة ، والنظم ، وهذا هو المطلوب . وجوابه إنّما يكون بعد تمهيد قاعدة وهو أنّ التفاوت بين الكتابين في الجودة والكتابة إنّما يكون من جهة العلم بإحكام التأليف بين الحروف وتنزيلها على أحسن هيئة في الإيقاع ، فمن كان منهما أجود علما بأحكام التأليف كانت كتابته أعجب ، ومن كان عادما للعلم بما ذكرناه نقص إتقان كتابته ، فكلّ واحد منهما قد أحرز ما تحتاج إليه الكتابة من الآلات كالقلم ، والدّواة ، والقرطاس ، واليد ، وغير ذلك ممّا يكون شرطا في الكتابة ، ولم يتميّز أحدهما عن الآخر إلّا بما ذكرناه من العلم بإحكام التأليف ، وهكذا حال أهل الحرف والصناعات ، فإنّهم كلّهم متمكّنون من أصول الصناعات وما تحتاج إليها ، كالصناعة للذّهبيّات والفضيّات ، والحياكة للديباج ، فإنّ تفاوتهم إنّما يظهر في ما ذكرناه لا غير ، فإذا عرفت هذا فالعرب لا محالة قادرون على مفردات هذه الكلم الموضوعة ، وقادرون على حسن التأليف لهذه الكلمات ، لكنّهم غير قادرين على كلّ تأليف ، فإنّ من التآليف ما لا زيادة عليه في الإعجاب ، وهو المعجز ، ومنه